فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 99

قال ليس عندي إلا القليل من الذخيرة، ولا أستطيع أن أستعمل تلك الذخيرة في تجربتها، فحبذا لو تحضر لنا بعض الذخيرة لنتمكن من فحص السلاح، فقال له الأخ: أبشر، فلك ذلك إن شاء الله تعالى.

ولم يكن يعرف أي واحد منا في تلك الليلة أن أبا حمزة قد أخذ السلاح بحقه، وأنه سيذود به عن إخوانه، وأنه سيفديهم بنفسه، ويرد عنهم صولة حاقدة لعباد الصليب.

ففي الليلة التالية لما جاءت الطائرات الأمريكية لترد على عملية الجمرك، وأخذت تحوم فوق المنطقة على ارتفاع منخفض، ظن أبو حمزة رحمه الله أن الطائرات جاءت في عملية إنزال على بيت الجرحى، فأخذ البيكا وخرج من البيت، ومشى ما يقارب السبعمائة متر بعيدًا عن بيت الجرحى، ولما بدأت الطائرات بالقصف العشوائي علم عندها أبو حمزة أن الصليبيين لا يقصدون به أحدًا معينًا أو مكانًا محددًا، ولكن ذلك لم يثن أبا حمزة عن الذب عن المدنيين من المسلمين ولا عن إخوانه المجاهدين، فصوب سبطانة بيكته نحو طائرات الأباتشي وأخذ يمطرها بوابل من الرصاص، وكأنها لم تعدو في عينه قدر البعوضة، والتَفَّتْ عليه ثلاث طائرات مروحية وأخذت تقصفه بالصواريخ المدمرة وهو ثابت صابر مقبل غير مدبر، لا تفارق سبابته زناد سلاحه، ولم تتراجع قدماه خطوة واحدة إلى الوراء، ولم تبرح قدماه موطئهما حتى مزقت شظايا الصواريخ جسده، فترجل كما يترجل الفرسان، وقضى كما يقض الشجعان، وفاضت روحه في الذب عن الدين والإخوان،

وإنّا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثير الرّزايا عندهن قليل ...

يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراضٌ لنا وعقول ...

فإن تكن الدّولات قسمًا فإنّها ... لمن ورد الموت الزّؤام تدول ...

لمن هوّن الدّنيا على النّفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل

فرحمك الله يا أبا حمزة رحمة واسعة، ورزق الله أمة الإسلام رجالًا كأمثالك.

وفي يوم من الأيام، وبعد استشهاد أبي حمزة بثلاثة أشهر تقريبًا، جلست مع أحد الإخوة ودار حديث بيننا عن بعض الشهداء الذين التقينا بهم - ولم أكن أعرف ذلك الأخ من قبل - حتى انتهى بنا الحديث إلى أبي حمزة الشامي، فسألني ذلك الأخ إذا كنت قد التقيت به أم لا، فأخبرته بقصتي معه، وكذلك أخبرته عن قصة استشهاده، فقال لي: لقد التقيت بأبي حمزة الشامي قبل مقتله بمدة، وكان يتحدث يومها عن الشهادة، فقلت في نفسي: كيف ستصل الشهادة إليك وأنت في آمَنِ مكان في العراق، وليس مقامك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت