كان أبو همام الأردني رحمه الله تعالى يعمل طاهيًا - شيف - في أحد الفنادق في عمان، ولم يلبث رحمه الله في عمله ذاك طويلًا بعد تخرجه من الكلية، حتى منَّ الله عليه بالهداية، وأرشده إلى طريق التوبة والإنابة، فترك عمله في الفندق لما فيه من معاصٍ ومنكرات، حاله حال جلّ الفنادق في بلاد المسلمين هذه الأيام، نسأل الله العفو والعافية، ولما التزم أبو همام شرائع دينه وصلح حاله بدأت نفسه تحدثه بالنفير لنصرة الإسلام وأهله في بلاد الرافدين، وكانت بينه وبين أبي عبد الرحيم رحمه الله صداقة طيبة في عمان، فاجتمعا على هذا المطلب الشريف حتى يسر الله لهما بصدقهما وإخلاصهما - أحسبهما كذلك والله حسيبهما ولا أزكيهما على الله - طريقًا إلى أرض العزة أرض الجهاد.
وعندما دخل أبو همام رحمه الله بلاد الرافدين كان عاقدًا عزمه على تنفيذ عملية استشهادية، حاله حال أخيه أبي عبد الرحيم، وكان أبو جعفر المقدسي رحمه الله تعالى في ذلك الوقت يجهز لإنشاء معسكر لتدريب المقاتلين الجدد.
ولما علم أبو جعفر أن أبا همام كان طاهيًا أخبره بموضوع المعسكر وأنه بحاجة إلى أخٍ مثله لتجهيز الطعام للمتدربين هناك، وبين له أبو جعفر فضل ذلك على تنفيذ العملية لما فيه من نفع متعدٍ، فلم يتأخر في تلبية طلب أبي جعفر، وآثر البقاء لخدمة إخوانه على تنفيذ العملية.
وفي أحد الليالي قدر الله أن يجمعني به في دورة من الحراسة، وكانت تلك الليلة تتسم بالهدوء الشديد، إذ لم تكن طائرات التجسس تحلق في المنطقة والتي كانت تعرف بصوتها الطنان المزعج، فكان ذلك الجو الهاديء مناسبا لحديث هاديء، فجلسنا وتحدثنا عن أمور شتى حتى وصل بنا الحديث عن الشيخ أبي أنس الشامي رحمه الله تعالى، وكان أبو همام يحب الشيخ حبًا شديدا، فاستطرد في الحديث عنه وعن كراماته في الفلوجة، وكانت تعابير وجهه وهو يتكلم عنه تزيد من الحديث عذوبةًً وتشويقًا وكأن الكلام كان يخرج من قلبه لصدقه في الحديث، وبعد أن أنهى حديثه عن الشيخ بدأ يتكلم عن نفسه وعن عمله في الأردن ولكنه لما وصل بحديثه عن والده عمَّت ملامح الحزن وجهه، ثم سكت فجأة مما حملني على سؤاله عن والده فقلت له:"عسى أن يكون والدك بخير؟"، فقال والعبرات تكاد تنهمر من عينيه:"إن والدي رجل كبير، ولقد أفنى ما مضى من عمره في الكد والتعب من أجل تأمين لقمة العيش لأسرته، وإنني قلق عليه إذ ليس له من يعينه ويساعده من بعد الله في مصاريف البيت غيري، وخاصة أن إخوتي لا يزالون في سن الطفولة، ووالله لولا أن نصرة لا إله إلا الله"