الصفحة 95 من 231

اختارها من عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري بتصرف

د: عثمان قدري مكانسي

-كان يُقال: أعجزُ الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه مَن ضيّع مَن ظفِر به منهم؛ فالوصول إلى صديق صدوق كاستخراج الذهب من مكامنه، وما أسهل إضاعة الأصدقاء بإهمالهم أو الإساءة إليهم.

-- ويُحكى أن داوود عليه السلام قال لابنه سليمان عليه السلام:"يا بنيّ؛ لا تستبدلَنّ بأخ لك قديمٍ أخًا مستَفادًا ما استقام لك، ولا تستقلّن أن يكون لك عدوّ واحد، ولا تستكثرَنّ أن يكون لك ألف صديق"فالعدو مصدر القلق والترح، والصديق يُدخل عليك السرور والمرح.

-والغالب من الناس يظن أن الغنى بالمال، وهو براحة البال، وكثرة الأحباب. قال الشاعر ابن الأعرابي:

لعمرُك ما مال الفتى بذخيرة ولكنّ إخوان الثقاتِ الذخائرُ

وقال حكيم: رأيت الدنيا وذخائرها تالفة إلا ذخيرة الأدب وعقيلة الخُلّة، فاستكثرْ من الإخوان واعتصمْ بعرا الأدب. وكان يُقال: الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال، وقال الشاعر:

إذا لم يكن للقوم عزّ ولم يكن --- لهم رجل عند الزمان مكين

فكانوا كأيد أوهن الله بطشَها --- تُرى أشمُلًا ليست لهنّ يمين

-وقال أحدهم - أيوب السختياني -"إذا بلغني موتُ أخ لي فكأنما سقط عضو مني"وقد قال الشاعر:

أخاك أخاكَ؛ إنّ من لا أخًا له --- كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

وإن ابنَ عم المرء فاعلم جناحُه --- وهل ينهض البازي بغير جناح

أقول: وليس شرطًا أن يكون ابن عمك خيرًا من صديقك، إلا أنها دعوة عشائرية وفكرة قبلية، وكثيرًا ما يكون الأقارب عقارب.

-وكثرة الأصدقاء قوة على الضيم ونصرة للحق، وطرد للذل وشعور بالعز. يقول الشاعر الثقفيّ:

من كان ذا عدد يُدركْ ظُلامتَه --- إن الذليل الذي ليست له عَضُدُ

تنبو يداه إذا ما قَلّ ناصرُه --- ويأنف الضيمَ إن أثرى له عدَدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت