الصفحة 178 من 231

-قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: قرأت في اليتيمة - يتيمة الدهر للثعالبي -

"مَثَلُ قليلِ مَضارِّ السلطان في جنب منافعه"

1 -مثَلُ الغيث الذي هو سقيا اللّه وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذى به السّفر ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق وتدرّ سيوله فيهلك الناس والدواب وتموج له البحار فتشتدّ البليّة منه على أهله فلا يمنع الناس، إذا نظروا إلى آثار رحمة اللّه في الأرض التي أحيا، والنبات الذي أخرج، والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر، أن يعظموا نعمة ربهم ويشكروها ويُلغوا ذكر خواصّ البلايا التي دخلت على خواصّ الخلق. (وأقول: قد تكون النعم التي يعيش بها الكثير ويتلذذون بها أذى عند بعضهم الآخر فليس في حياة البشر خير محض للجميع، فما تراه إيجابيًا هنا تجده غير ذلك هناك) .

2 -ومثُل الرياح التي يرسلها اللّه نشُرا بين يديّ رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحًا للثمرات و أرواحًا للعباد يتنسمون منها ويتقلبون فيهم، وتجري بها مياههم، وتتقد بها نيرانهم وتسير بهم أفلاكهم. وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ويخلص ذلك إلى أنفسهم وأموالهم فيشكوها منهم الشاكون ويتأذّى بها المتأذّون ولا يزيلها ذلك عن منزلتها التي جعلها اللّه بها وأمرها الذي سخرها له من قوام عباده وتمام نعمته.

3 -ومثل الشتاء والصيف اللذين جعل اللّه حرّهما وبردهما صلاحًا للحرث والنسل ونتاجًا للحب والثمر، يجمعها البرد بإذن الّله ويحملها ويخرجها الحرّ باذن اللّه وينضجها مع سائر ما يعرف من منافعها، وقد يكون الأذى والضرّ في حرّهما وبردهما وسمائمهما (جمع سموم وهي الريح الحارّة) وزمهريرهما وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الخير والصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت