4 -ومن ذلك الليل الذي جعله اللّه سكنًا ولباسًا وقد يستوحش له أخو القفر، وينازع فيه ذو البليّة والرّيبة وتعدو فيه السّباع وتنساب فيه الهوامّ ويغتنمه أهل الّسرق والسّلّة (المتسللون) ، ولا يزري صغير ضرره بكثير نفعه، ولا يلحق به ذمّا ولا يضع عن الناس الحقّ في الشكر اللّه على ما منّ به عليهم منه.
5 -ومثل النهار الذي جعله اللّه ضياء ونشورًا وقد يكون على الناس أذى الحرّ في قيظهم، وتصبّحهم فيه الحروب والغارات ويكون فيه النّصب والشّخوص (القلق والهمّ) وكثير مما يشكوه الناس ويستريحون فيه إلى الليل وسكونه. ولو أن الدنيا كان شيءٌ من سرّائهم يعم عامة أهلهم بغير ضرر على بعضهم وكانت نعماؤهم بغير كدر وميسورها من غير معسور كانت الدنيا إذًا هي الجنة التي لا يشوب مسرتها مكروه ولا فرحَها ترحٌ والتي ليس فيهم نصب ولا لغوب، (كل جسيم من أمر الدنيا يكون ضرّه خاصةً فهو نعمةٌ عامة، وكل شيء منه يكون نفعه خاصًا فهو بلاءٌ عام) ""
-وكان يقال:"السلطان والدين أخوان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر".
-قال ابن قتيبة: وقرأت في التاج لبعض الملوك:"هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بكل شيء يجلّ، وألباب السّوق مشغولة بأيسرالشيء، فالجاهل منهم يعذر نفسه بَدَعَة ما هو عليه من الرِّسلة (الرخاء) ولا يعذر سلطانه مع شدّة ما هو فيه من المؤونة، ومِن هناك يعزّر اللّهُ سلطانَه ويرشده وينصره". أقول: رحم الله ابن قتيبة، كان يحسن الظن بالسلاطين والملوك، ولو علم ما نحن فيه من بلاء الحكام وجورهم على شعوبهم، وخنوعهم للعدوّ وسفاهة الغالب منهم، وإمّعتهم، وبعدهم عن الحق لما قال ما قال.
-سمع زياد ابن أبيه رجلًا يسب الزمان فقال:"لو كان يدري ما الزمان لعاقبته، إنما الزمان هو السلطان. - وكانت الحكماء تقول:"عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان""