الصفحة 176 من 231

رمضانيات (28)

(الحرص والإلحاح)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

-لما قتل كسرى وزيرَه (بُزُرْ جَمِهرَه) وجد في ثوبه كتابًا"إذا كان القدر حقًا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعًا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان اللموت لكل أحد راصدًا فالطمأنينة إلى الدنيا حُمق."وصدق الحكيم في وصفه الدقيق للحياة والناس.

-وقيل: لا يُكثر الرجل على أخيه الحوائجَ، فإن العِجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحتْه. هذا في القريب، فما تقول في التعامل مع الغريب؟!

وصدق الشاعر بقوله:

من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه وأخو الحوائج وجهه مملول

ويقول ابن المقفع: الحرص مَحرمة، والجبن مقتلة، وانظر: من يطلب إليك باللطف والأدب أحق أن تجيبه أم من يطلب ذلك بالشرَ والحِرص؟

وقال عدي بن يزيد في هذا:

قد يدرك المبطئ من حظه والرزق قد يسبق جهد الحريص

وقد يكون الحرص سبب المنية أو القتل أو المنع .. واقرأ قول الشاعر المبدع:

كم من حريص على شيء ليدركه وعلّ إدراكه يدني من العطب

وقال آخر في المعنى نفسه:

ورُبّ مُلِحّ على بُغية وفيها منيّتهُ، لو شعر

-وتقول العرب في الرجل الذي يلح في الطلب ولا ينتهي من أمر حتى يُلِحّ في غيره:

"لا يرسلُ الساقَ إلا ممسكًا ساقًا"

وأصل المثل في الحرباء، إذا اشتد عليها حر الشمس لجأت إلى شجرة، ثم لاتترك

غصنًا إلا لتمسك غصنًا آخر.

وقالوا: (إن الطمع ضرّ ما نفع) ، ولكنهم يقلبونه فيقولون (ما ضرّ، نفع 1)

وفي كتاب كليلة ودمنه: لا فقر ولا بلاء كالحرص والشرَه، ولا غنى كالرضا والقناعة، ولا عقل كالتدبير، ولا ورَع كالكفّ، ولا حَسَبَ كحُسن الخُلُق.

ويقول أيضًا صاحب كليلة ودمنة: خمسة حُرصاء، المال أحب إليهم من أنفسهم.

1 -المقاتل بالأجرة، 2 - حفّار القُنِيّ والأسراب (القنيّ جمع قناة) 3 - والتاجر يركب البحر،4 - والحاوي يُلسع يدَه الحيّة، 5 - والمخاطر على شرب السمّ.

أقول: إن في حرصهم هذا مظنّة مقتلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت