الصفحة 175 من 231

وقال سليمان بن عبد الملك للإمام أبي حازم: سلني حاجتك. قال: رفعتها إلى من

لا تُخذَل عنده الحوائج.

وبهذا يقول الشاعر:

لا تَضرَعَنّ لمخلوق على طمع --- فإن ذلك ضعف منك في الدين

واسترزق الله رزقًا من خزائنه --- فإنما هو بين الكاف والنون

وقال ابن عباس: المساكين لا يعودون مريضًا ولا يشهدون جنازة، وإذا سأل الناسُ

اللهً سألوا الناسَ.

وكان الحسن البصري يطرد من يسأل يوم الجمعة، ولا يرى لهم جمعة.

ويقول محمود الوراق مرشدًا ومسددًا:

فارغب إلى ملك الملوك ولا تكنْ --- ياذا الضراعة طالبًا من طالب

-وكان بعض الكرام يعطي ويكره أن يسأله أحدهم مواجهة لأنه يضن بسائله أن يقف أمامه موقف الذل، فيقول له: اكتب حاجتك في رقعة ولا تُذل وجهك أمامي. وهذا غاية الكرم وغاية الشهامة والكرامة.

وبذا المعنى تمثّل معاوية في هذين البتين:

وفتىً خلا من ماله --- ومن المروءة غير خالِ

أعطاك قبل سؤاله --- فكفاك مكروه السؤال

-أما الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى فقصته مع الأمير سليمان بن حبيب بن المهلب تدل على إيمان راسخ وكرامة رفيعة، فقد استدعاه الأمير إليه فأبى، فكتب الخليل إليه:

أبلغ سليمان أني عنه في سَعَة --- وفي غنىً غير أني لستُ ذا مال

شُحًّا بنفسي، إني لا أدرى أحدًا --- يموت هزلًا ولا يبقى على حال

فالرزق عن قدَر لا الضعف يمنعه --- ولا يَزيدك فيه حَولُ محتال

فغضب سليمان وقطع سليمان عنه الراتب، فبلغ الخليلَ ما فعله سليمانُ فقال:

إن الذي شق فمي ضامن --- للرزق حتى يتوفّاني

حَرمتَني مالًا قليلًا فما --- زادك في مالك حرماني

فبلغ هذان البيتان سليمانَ فخجل مما فعل وكتب إلى الخليل يعتذر إليه وأضعف الراتب.

-وننهي جولتنا في هذه الروضة بما قاله أحد الشعراء في عفته ونبذ الطمع:

حسبي بعلمي لو نفعْ --- ما الذل إلا في الطمعْ

من راقب اللهَ نَزعْ --- عن قبح ما كان صنعْ

ما طار شيء فارتفعْ --- إلا كما طار وقعْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت