وقال سليمان بن عبد الملك للإمام أبي حازم: سلني حاجتك. قال: رفعتها إلى من
لا تُخذَل عنده الحوائج.
وبهذا يقول الشاعر:
لا تَضرَعَنّ لمخلوق على طمع --- فإن ذلك ضعف منك في الدين
واسترزق الله رزقًا من خزائنه --- فإنما هو بين الكاف والنون
وقال ابن عباس: المساكين لا يعودون مريضًا ولا يشهدون جنازة، وإذا سأل الناسُ
اللهً سألوا الناسَ.
وكان الحسن البصري يطرد من يسأل يوم الجمعة، ولا يرى لهم جمعة.
ويقول محمود الوراق مرشدًا ومسددًا:
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكنْ --- ياذا الضراعة طالبًا من طالب
-وكان بعض الكرام يعطي ويكره أن يسأله أحدهم مواجهة لأنه يضن بسائله أن يقف أمامه موقف الذل، فيقول له: اكتب حاجتك في رقعة ولا تُذل وجهك أمامي. وهذا غاية الكرم وغاية الشهامة والكرامة.
وبذا المعنى تمثّل معاوية في هذين البتين:
وفتىً خلا من ماله --- ومن المروءة غير خالِ
أعطاك قبل سؤاله --- فكفاك مكروه السؤال
-أما الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى فقصته مع الأمير سليمان بن حبيب بن المهلب تدل على إيمان راسخ وكرامة رفيعة، فقد استدعاه الأمير إليه فأبى، فكتب الخليل إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في سَعَة --- وفي غنىً غير أني لستُ ذا مال
شُحًّا بنفسي، إني لا أدرى أحدًا --- يموت هزلًا ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدَر لا الضعف يمنعه --- ولا يَزيدك فيه حَولُ محتال
فغضب سليمان وقطع سليمان عنه الراتب، فبلغ الخليلَ ما فعله سليمانُ فقال:
إن الذي شق فمي ضامن --- للرزق حتى يتوفّاني
حَرمتَني مالًا قليلًا فما --- زادك في مالك حرماني
فبلغ هذان البيتان سليمانَ فخجل مما فعل وكتب إلى الخليل يعتذر إليه وأضعف الراتب.
-وننهي جولتنا في هذه الروضة بما قاله أحد الشعراء في عفته ونبذ الطمع:
حسبي بعلمي لو نفعْ --- ما الذل إلا في الطمعْ
من راقب اللهَ نَزعْ --- عن قبح ما كان صنعْ
ما طار شيء فارتفعْ --- إلا كما طار وقعْ