وأول درس يجب أن يعيه المسلمون من حادث الهجرة النبوية المباركة. أنها تعد تجسيدا صادقا للانتصار على حظوظ النفس داخل ذوات النماذج الانسانية الكاملة التي رسمت أحداثها وأنجزت خطواتها وحققت أمجادها. وتعتبر علامة علي صدق ايمان اولئك الصفوة من خلق الله. حيث بلغت قوة الايمان لديهم مبلغا جعلهم يدفعون ثمن هذا الايمان غاليا من حياتهم وأموالهم وديارهم وبلادهم وموطن صباهم. ولولا صدق الايمان فيهم لركنوا الي الدعة وحب الدنيا. ولآثروا البقاء بجانب ركامها الذي جمعوه في حياتهم من مال وديار وبناء. بل ولفضلوا البقاء بجانب أهليهم وذويهم الذين يرتبطون معهم برباط العاطفة ووشيجة النسب. وهي العاطفة التي تجعل المهاجر يعود. لا أن تجعل المقيم يهاجر. لكن صدق الايمان لديهم جعلهم يسترخصون كل ذلك ويهملونه في سبيل هدف أسمي وأجل وأعظم وهو الانتصار لدين الله وبذل كل غال ومرتخص في سبيل عزته وانتشاره. وصدق الله العظيم حين وصف موقفهم الجليل من ذلك الدين العظيم بقوله تعالي:"الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله"فشهد لهم بذلك القول الخالد الي يوم الدين.
إنهم قد باعوا الاهل والديار والأموال في سبيل الله. وهي درجة من الايمان اثبتت التجربة أنها قد محصت واختبرت فبلغت غاية الجودة والنقاء والقوة. ولولا قوة ايمان المهاجرين وإيثارهم لما عند الله علي متاع الدنيا القليل الفاني. لقعدوا. ولما هاجروا. ولنا أن نتصور مآل مستقبل البشرية في حالة ما إذا كانت الهجرة لم تحدث. إنه سيكون مستقبلا مظلما خاليا من الحق والعدل والسلام والمحبة. حيث كان الإسلام سينتهي. وسيتمكن أعداء المسلمين منهم وهم قلة مستضعفة ولقضي علي الدعوة في مهدها. وكل عام وانتم بخير
الهجرة النبوية وتأسيس المدينة الإسلامية
تمهيد: شكلت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة منعطفًا حاسمًا في مسار التاريخ الإسلامي، وذلك نظرا لما أسست له من تحولات عميقة وجذرية سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي•• فقد بات من المتفق عليه بين المؤرخين أن حدث الهجرة كان إعلانًا لبزوغ مرحلة الدولة الإسلامية، بعد مرحلة الدعوة في مكة المكرمة، وقد وضع الرسول[ خلال هذه المرحلة الجديدة المعالم الأساسية للمجتمع الإسلامي في كل أبعادها، الفردية والجماعية، العامة والخاصة•• بل إن تقسيم آيات القرآن الكريم إلى مكية ومدنية حسب مراحل نزولها، دليل على أهمية وخصوصية كل مرحلة، وبالتالي فإن الهجرة كحدث فاصل بين هاتين المرحلتين جدير بالاهتمام والدراسة، وهو حدث ذو أبعاد كثيرة يهمنا هاهنا أن نتطرق لواحد منها هو الجانب العمراني• فكيف أسس الرسول [، بعد الهجرة مدينة بأكملها، أو بالأحرى كيف أعاد >تهيئة< مدينة صغيرة ليجعل منها في ظرف وجيز نسبيا حاضرة مهمة نافست ولا تزال أهم حواضر عصرها؟ ما هي الأسس المادية والتنظيمية التي اعتمدها الرسول الأكرم [ في بناء النواة الأولى للمجتمع الإسلامي؟ وما هي خصائص المجتمع العمراني وكيف ساهمت العقدية الجديدة في بلورتها؟
لماذا الهجرة إلى يثرب؟
إن اختيار الرسول [ لـ >يثرب< بتأييد وتوفيق من الله تعالى روعيت فيه اعتبارات دقيقة، كيف لا والهجرة لم تكن فقط >موقفا تعبديا ينتظر منه الحماية للمسلمين فحسب، بل كان حكما ربانيا بإنشاء دولة الإسلاميثرب< تمتاز بموقعها الجغرافي على طريق تجارة الشام عصب الاقتصاد القرشي ومتاخمتها لمنطقة حضارية عريقة في الشمال حيث التيارات المسيحية والثقافات الإغراقية تتجاذبها وتدفع بتأثيرها إلى الحجاز (3) •
ثانيًا: توافر بنية اقتصادية معتبرة من خلال تنوعها ومستوى تطورها، فهناك الزراعة التي تعتبر يثرب إحدى أهم واحاتها في الجزيرة العربية إلى جانب الطائف وعسير وحضرموت••• فهذه المناطق كانت تمتاز بخصوبة أراضيها ووفرة مياهها وكثرة وتنوع أغراسها (4) وقد كان التطورالزراعي في >يثرب< حصيلة الخبرة الزراعية التي أتى بها اليهود من بلاد الشام من جهة والعرب التي هاجرت من بلاد اليمن من جهة ثانية (5) أما فيما يخص النشاط الصناعي والحرفي فقد قامت في >يثرب< مجموعة من الصناعات خاصة تلك تعتمد على الإنتاج الزراعي المحلي• كما عرفت بعض الصناعات التعدينية كصناعة الأسلحة والآلات المستخدمة في الري والزراعة (6) •
وأخيرا فإن النشاط التجاري كان له حضوره أيضا بحكم موقع يثرب كنقطة على طريق الشام فضلا على أن فائض الإنتاج الزراعي والصناعي يقتضي تطوير أساليب التجارة لصرفه نحو الخارج•
ثالثا: من الناحية السياسية والاجتماعية، كانت >يثرب< تعيش في ظل تنوع ديموغرافي يطبعه اختلال في موازين القوى لصالح اليهود على حساب العرب، كل ذلك في ظل غياب سلطة سياسية مركزية موحدة (7) •
هذه باختزال شديد هي الوضعية التي كانت تميز يثرب عشية الهجرة إليها• فما هي الإجراءات التي اتخذها الرسول [ لتأمين نواة الدولة الإسلامية الأولى الممثلة في المدينة المنورة؟ أو بتعبير آخر• ما هي عناصر المدينة الإسلامية كما وضعها الرسول [•
يمكن تصنيف هذه العناصر إلى نوعين، عناصر مادية وعناصر تنظيمية•
العناصر المادية:
وتتمثل في مجموعة من الإنجازات ذات الطابع العمراني التي قام بها الرسول [ داخل المدينة، التي نجم عنها تغير جذري في هيكلتها العمرانية، وذلك بالموازاة مع التغيرات العميقة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتنظيمي، في هذا الإطار يمكن أن نذكر المنشآت التالية:
أولًا: بناء المسجد: كان بناء المسجد هو أول عمل باشره الرسول [ بعد دخوله >يثرب< وقد اختار له الموضع الذي بركت فيه ناقته وكان مربدا (8) لغلامين يتيمين من الأنصار في كفالة سعد بن زراة• سام الرسول [ في هذه الأرض فعرض عليه الغلامان أن يهباه له• لكنه عليه الصلاة والسلام أبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وكان في المكان شجر غرقد ونخل وقبور قديمة فأمر الرسول [ بالشجر فقطع وبالقبور فنبشت• وتم بناء المسجد وجعل طوله مما يلي القبلة الى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانب مثل ذلك أو دونه، ثم بني باللبن وجعل عمده الجذوع• وسقفه بالجريد (9) • وجعلت قبلته في اتجاه الشمال، نحو بيت المقدس، قبل أن يأتي الأمر الإلهي بتغيير القبلة نحو مكة المكرمة سنة 2هـ >فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحراموعن هذه الشوارع تتفرع طرقات ثانوية لتسهيل التواصل بين مختلف أطراف المدينة وللإشارة فإن التوسع العمراني والامتداد المجالي للمدينة أديا إلى إقامة مساجد على مستوى الأحياء، وهي مساجد للصلوات الخمس فقط، فيما صلاة الجمعة كانت تقام في مسجد الرسول [ باعتباره المسجد الجامع، وقد كان الرسول [ هو من يشرف على إنشاء هذه المساجد كما يتبين ذلك من حديث جابر بن أسامة حيث قال: لقيت رسول الله [ بالسوق في أصحابه فسألتهم أين يريد، فقالوا: اتخذ لقومك مسجدا، فرجعت فإذا قومي فقالوا خط لنا مسجدا وغرز في القبلة خشبةكل أرض لا يبلغها الماء يصنع بها ما يشاءبالسياسية العقارية< التي انتهجها الرسول [، يتبين على أنه عليه الصلاة والسلام أراد التوفيق بين اعتبارين أساسيين، متناقضين في الظاهر، لكن في واقع الأمر هما متكاملان تماما، ويؤديان وظيفة واحدة ضرورية وحيوية جدا لأية مدينة، ويتعلق الأمر بمسألة الاندماج الاجتماعي (Lintegration sociale) والاعتبارين اللذين سعا من خلالهما الرسول [، لتحقيق هذه الغاية، على الطريقة الإسلامية طبعا،، هما: من جهة تذويب الفوارق القبلية، والهويات القائمة على اعتبارات الدم والنسب والعشيرة، لصالح هوية جديدة تعلو فوق كل الهويات، هي هوية العقيدة بالنسبة للمسلمين فيما بينهم، وهوية المواطنة بالنسبة لسكان المدينة في عمومهم مسلمين، يهود كفار••• ومن جهة ثانية احترم الرسول [ الحساسيات القبلية والروابط العائلية التي كانت مستحكمة في البنية الاجتماعية العربية، وذلك في الحدود التي لا تتناقض فيه مع الهوية الجديدة للأمة، وهكذا تحققت وحدة المدينة على المستوى المجالي واندماجها على المستوى الاجتماعي بعد أن كانت وحدات متفرقة وأحيانًا متناحرة دون كيان ولا هوية•
ثالثًا: إنشاء المرافق الاجتماعية والاقتصادية:
تتمثل أهم هذه المرافق فيما يلي:
1-السوق: في إطار اهتمامه [ بالجانب الاقتصادي والمعاشي للمسلمين، أنشأ لهم سوقًا خاصة بهم تحكمها شروط وأخلاقيات جديدة (الصدق ، تحريم الربا والاحتكار والغش في المكاييل) خلافا للأسواق التي كان يسيطر عليها اليهود ويفرضون فيها شروطهم (الخراج على المتاجرة، التعامل بالربا، الاحتكار) وقد اختار الرسول [ مكانا قريبا من سوق بني قينقاع أقام فيه قبة كبيرة رمزا وعلامة يتجمع فيها المسلمون للاتجار فيها•
وقد اغتاظ اليهود من هذا التوجه الذي يروم الاستقلال الاقتصادي فقاموا بزعامة كبيرهم كعب ابن الأشرف بهدم القبة التي بناها الرسول الأكرم وقطعوا أطنابها•
بيد أن الرسول [ لم يلتفت الى هذا السلوك الاستفزازي، وهذه المحاولة اليائسه من قبل عناصر اليهود المتعصبة، بل رد عليها عمليا فقال متحدثا عن كعب بن الأشرف وفعلته• >والله لا ضربن له سوقا هو أغيظ من هذا< >16< واختار مكانا فسيحا بأطراف المدينة بعيدا عن المحال السكنية (17) وذلك باقتراح من أحد الصحابة الذي قال للنبي [ إني نظرت موضعا للسوق، أفلا تنظرون إليه؟ قال: >بلى< فقام معه [ فلما رأه أعجبه وركض برجله عليه السلام وقال: >نعم سوقكم هذا ، فلا ينقصن ولا يضربن عليكم بخراج< (18) وقد ظلت هذه السوق طيلة عهد الرسول [ وعهد الخلفاء الراشدين عبارة عن فضاء حر من دون بناء، يخضع في تدبيره لنظام >سنة المساجد< كما كان يقول الخليفة عمر] : >الأسواق على سنة المساجد، من سبق إلى مقعده فهو له حتى يقوم إلى بيته أو يفرغ من بيعه< >19< ولم يبدأ البناء في الأسواق إلا على عهد معاوية بن أبي سفيان الذي سن تأجير أماكن السوق•
2-الشوارع والطرقات: أولى الرسول [ اهتماما كبيرا للطرقات باعتبارها مجالا لحركة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية كما سبقت الإشارة، عمد الرسول [ إلى ربط كل أحياء المدينة بالمسجد الجامع من خلال شوارع رئيسة تفرعت عنها طرق فرعية تمتد إلى مختلف التجمعات السكنية لتسهيل حركة المرور داخل المدن، وقد كان عرض الطرق الرئيسة يقدر بين أربعة وخمسة أمتار (20) بينما عرض الطرق الفرعية كان يقدر بين مترين وثلاث أمتار (21) •
واعتبر الرسول [ الطريق واجبا وحقا لكل مواطن فمن حيث هي واجب، فلضرورة المساهمة فيها عند الاقتضاء باعتبارها نوعا من الارتقاء كما يستخلص ذلك من حديث في الصحيحين رواه أبو هريرة أن الرسول [ قال: >إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع< (22) وأما من حيث هو حق فلأن استعماله مشاع بين الجميع ، وقد جعل الرسول [ للطرق آدابًا عامة، فقد أخرج أبو داود عن سهيل بن معاذ بن أنس الجهنمي عن أبيه قال: >غزوت مع الرسول [ غزوة كذا وكذا، فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله [ مناديا ينادي في الناس ، من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له< (23) ، كما دعا الرسول [ إلى إماطة الأذى عن الطريق، وبارك كل مساهمة في إصلاحها والاعتناء بها، جاء في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه قال: >مطرنا ذات ليلة ، فأصبحت الأرض مبتلة فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسط تحته فلما قضى رسول الله [ صلاته قال: ما أحسن هذا >كما أخرج مسلم من حديث أبي برزة قال: >قلت يا نبي الله علمني شيئا أنفع به، فقال ، اعزل الأذى عن طريق المسلمينالمناصع< واختيرت مواضع للذبح بعيدا عن السكان، وعين مكانًا لصلاة العيد >المصلىالمدينة المنورة< فقد جاء في كتب السيرة أن النبي [ أمر بإهمال اسم >يثرب< وحث على استعمال اسم >المدينة المنورة< بدلا منه، كما نسبوا إليه في هذا الصدد قوله: >يقولون يثرب وهي المدينة< وكان عليه الصلاة والسلام لا يذكر كلمة >يثرب< أبدا، ويذكر أيضًا أن محمد بن الحسن بن ذبالة المعروف بالمديني نسبة إلى المدينة المنورة، روى أن النبي [ قد نهى عن استعمال اسم >يثربيثرب< يعد خطيئة حيث روى الإمام أحمد حديثا جاء فيه: >من سمى المدينة >يثرب< فليستغفر الله ثلاثاالجبهة الداخلية< لدولة المدينة حاضرا بقوة في الاستراتيجية التنموية التي قادها الرسول [ منذ وصوله إلى المدينة، لذلك عمل على إقرار دستور متكامل في حينه ينظم العلاقات ويحدد حقوق وواجبات كل الحساسيات التي كانت تكون المجمع المدني، فبالإضافة إلى المسلمين الذين يتشكلون من الأنصار (الأوس والخزرج) والمهاجرين، كان هناك المشركون (الأوس والخزرج) واليهود، والأعراب الذين كانوا يعيشون على تخوم المدينة، وإذا كان الرسول [ قد اطمأن إلى الجبهة الإسلامية من خلال عملية الموآخاة، فإنه لأجل احتواء أو ضبط العناصر الأخرى خاصة اليهود، ويأمن جانبهم، عمل على موادعتهم >لتكون المدينة كلها، مسلمها وكافرها يدا في يد أمام الأعداء من الخارج< (26) ، ومجمل مانصت عليه هذه المعاهدة/ الموادعة (27) :
> للجماعة الإسلامية شخصية دينية سياسية مستقلة بها•
> الحرية الدينية مكفولة للجميع مالم يحصل من طرف ظلم أو إثم•
> يتعاون سكان المدينة من مسلمين وغيرهم ماديا وعسكريًا وأدبيا، في الدفاع عن أي عدوان خارجي•
> رسول الله [ هو الرئيس الأعلى لسكان المدينة وإليه يرجعون في كل ما يختلفون فيه•
> الأمة تضم الجماعة التي تعتقد عقيدة واحدة بصرف النظر عن اعتبارات القرابة أو الأرض أو النسب أو اللغة••• فالمسلمون يؤلفون أمة واحدة واليهود يؤلفون أمة واحدة••• وتألف هذه الأمة كلها المجتمع الإسلامي الذي يخضع لنظام الإسلام•
الخلاصة: