فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 205

إن التآخي الذي تم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقًا بعقيدة تم اللقاء عليها، والإيمان بها، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى خرافة ووهم، خصوصًا إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية، ولذلك كانت العقيدة الإسلامية التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله تعالى هي العمود الفقري للمؤاخاة التي حدثت، لأن تلك العقيدة تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء، والتعاون والإيثار بين أناس فرقتهم العقائد والأفكار المختلفة، فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه (1) .

2-الحب في الله أساس بنية المجتمع المدني:

إن المؤاخاة على الحب في الله من أقوى الدعائم في بناء الأمة المسلمة، فإذا وهت يتآكل كل بنيانها (2) ولذلك حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعميق معاني الحب في الله في المجتمع المسلم الجديد فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (3) .

وكان للحب في الله أثره في المجتمع المدني الجديد، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت:( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) [آل عمران: 92] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وإن أحب أموالي إلي (بيرحاء) وإنها صدقة لله أرجو برها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة، أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه

وبني عمه (4) .

(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص156. ... (2) انظر: محمد رسول الله، عرجون (3/129) .

(3) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب رقم الحديث 2566.

(4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/254)

وهذا عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - يحدثنا عن هذه المعاني الرفيعة حيث قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت (1) تزوجتها، قال: فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع (2) فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن قال: ثم تابع الغدو (3) فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تزوجت» قال: نعم، قال: «ومن؟» قال: امرأة من الأنصار، قال: «كم سقت؟» قال زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة» (4) ونلاحظ أن كرم سعد بن الربيع قابله عفة وكرم نفس من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ولم يكن مسلك عبد الرحمن بن عوف خاصًّا به، بل إن الكثير من المهاجرين كان مكوثهم يسيرًا في بيوت إخوانهم من الأنصار ثم باشروا العمل والكسب واشتروا بيوتًا لأنفسهم وتكفلوا بنفقة أنفسهم، ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.

3-النصيحة بين المتآخين في الله:

فقد كان للمؤاخاة أثر في المناصحة بين المسلمين فقد آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كل، فإني صائم قال: ما أنا بآكل حتى تأكل قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال سلمان: إن لربك عليك حقاَّ، ولنفسك عليك حقاًّ، ولأهلك عليك حقاًّ، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان» (5) .

4-لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم:

كان الأنصار قد واسوا إخوانهم المهاجرين بأنفسهم وزادوا على ذلك بأن آثروهم على أنفسهم بخير الدنيا، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا) (6) .

فهذا الحديث يفيد أن الأنصار عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى قسمة أموالهم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، وقد كانت أموالهم هي النخيل، فأبى عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد أمرا تكون فيه المواساة من غير إجحاف بالأنصار، بزوال ملكية أموالهم منهم، فقال الأنصار للمهاجرين: تكفوننا المؤونة- أي العمل في النخيل من سقيها وإصلاحها- ونشرككم في الثمرة، فلما قالوا ذلك رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الرأي ضمن سد حاجة المهاجرينن مع الإرفاق بالأنصار فأقرهم على ذلك فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا (7) .

وقد قام الأنصار بالمؤونة وأشركوا المهاجرين في الثمرة، ولعل المهاجرين كانوا يساعدونهم في العمل، ولكن أكثر العمل عند الأنصار، وقد شكر المهاجرون للأنصار فعلهم ومواقفهم الرفيعة في الإيثار والكرم، وقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا

عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، ولقد كفونا المؤونة وأشركونا في

المهنأ (8) حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: «لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله عز وجل لهم» (9) .

وفي إشارة المهاجرين إلى الأجر الأخروي بيان لعمق تصورهم للحياة الآخرة، وهيمنة هذا التصور على تفكيرهم (10) .

وقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكافئ الأنصار على تلك المكارم العظيمة التي قدموها لإخوانهم المهاجرين، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: «إمَّا لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة» (11) .

(1) نزلت لك عنها: أي طلقتها لأجلك، فإذا حلت: أي انقضت عدتها.

(2) قينقاع قبيلة من اليهود نسب السوق إليهم.

(3) تابع الغدو: أي دوام الذهاب إلى السوق للتجارة.

(4) البخاري، كتاب البيوع، رقم 2048.

(5) صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم 1968 (4/209) .

(6) صحيح البخاري، المزارعة رقم 2325. ... (3) انظر: التاريخ الإسلامي (4/30) .

(8) يعني كفونا العمل وأشركونا في الثمرة.

(9) مسند أحمد (3/200، 201) ابن أبي شيبة (9/68) رقم 6561.

(10) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (4/406) . ... (2) صحيح البخاري، مناقب الأنصار رقم 3794.

لقد حققت المؤاخاة أهدافها، فمنها إذهاب وحشة الغربة للمهاجرين ومؤانستهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، وشد أزر بعضهم بعضًا، ومنها نهوض الدولة الجديدة، لأن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها، ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة، فكل جماعة، لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منها دولة (1) .

5-الإرث بالمؤاخاة:

لم يعرف تاريخ البشر كله حادثًا جماعياًّ كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الفعالة وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأخوة مسئولية حقيقة تشيع بين هؤلاء الإخوة «جعل الله سبحانه وتعالى حق الميراث منوطًا بهذا التآخي، دون حقوق القرابة والرحَم فقد كان من حكمة التشريع أن تتجلى الأخوة الإسلامية حقيقة محسوسة في أذهان المسلمين وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين» ، والفترة الأولى من الهجرة وضعت كلاًّ من الأنصار والمهاجرين أمام مسئولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم، وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة ونزولهم ضيوفًا على إخوانهم الأنصار في المدينة، فكان من إقامة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسئولية، ولقد كان من مقتضى هذه المسئولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من أُخوة الرحم المجردة، فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة وتمكن الإسلام فيها، غدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة (2) .

فلما ألف المهاجرون جو المدينة وعرفوا مسالك الرزق فيها، وأصابوا من غنائم بدر الكبرى بما كفاهم، رجع التوارث إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة البشرية على أساس صلة الرحم، وأبطل التوارث بين المتآخين، وذلك بنص القرآن الكريم فقال تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [الأنفال: 75] .

فهذه الآية نسخت التوارث بموجب نظام المؤاخاة (3) وبقيت النصرة والرفادة والنصيحة بين المتآخين (4) فقد بين حبر الأمة ابن عباس ذلك عند قوله تعالى: ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ) [النساء: 33] أنه قال: ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) قال: ورثة (والذين عاقدت إيمانكم) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فلما نزلت ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) نسخت، ثم قال: ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) (5) من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له (6) .

6-قيم إنسانية ومبادئ مثالية:

من خلال الروابط الوثيقة التي ألفت بين المهاجرين والأنصار أُرسيت قيم إنسانية واجتماعية ومبادئ مثالية لا عهد للمجتمع القبلي بها، وإنما هي من شأن المجتمعات المتحضرة الفاضلة.

7-تذويب الفوارق الإقليمية والقبلية:

إن القضاء على الفوارق الإقليمية والقبلية ليست بالأمر الهين في المجتمعات الجاهلية، حيث العصبية هي الدين عندهم، وعملية المؤاخاة تهدف إلى إذابة هذه الفوارق بصورة واقعية منطلقة من قلب البيئة الجاهلية.

إن من الأمراض في الصف الإسلامي المعاصر سيطرة الروح الإقليمية والعصبية في نفوس بعض الدعاة وهذه الأمراض تحيل بينهم وبين التمكين وتضعف الصفوف بل تشتتها وينشغل الصف بنفسه عن أهدافه الكبار، وقد تولد هذا عن أمراض في نفوس بعض الأفراد بسبب بعدهم عن القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين، فلم يتربوا عليها ولذلك كثر التناحر والتباغض.

إن المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى مثل هذه المؤاخاة التي حدثت بين المهاجرين والأنصار؛ لأنه يستحيل أن تستأنف حياة إسلامية عزيزة قوية إذ لم تتخلق المجتمعات الإسلامية بهذه الأخلاق الكريمة، وترتقي إلى هذا المستوى الإيماني الرفيع وإلى هذه التضحيات الكبيرة.

8-المؤاخاة بين المسلمين من أسباب التمكين المعنوية:

(1) في ظلال القرآن (6/3526) ... (4) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص211، 212.

(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة، (1/246) . ... (2) انظر: التاريخ الإسلامي (4/25) .

(5) هذه الجملة من رواية الطبري بنفس إسناد البخاري (فتح الباري 8/249) .

(6) صحيح البخاري، كتاب التفسير رقم 4580.

إن من أسباب التمكين المعنوية العمل على تربية الأفراد تربية ربانية، وإعداد القيادة الربانية، ومحاربة أسباب الفُرقة، والأخذ بأصول الوحدة والاتحاد (1) .

وأهم أصول الوحدة والاتحاد، وحدة العقيدة، صدق الانتماء إلى الإسلام طلب الحق والتحري في ذلك وتحقيق الأخوة بين أفراد المسلمين.

قال تعالى: ( وَإِن يُّرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ صدق الله العظيم وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [الأنفال: 62-63] .

وقال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الحجرات: 10] .

ولا يذوق حلاوة الإيمان إلا من أشرب هذه الأخوة، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يقذف في النار» (2) .

إن الأخوة في الله من أهم الأسباب التي تعمل على الصمود في وجه أعتى المحن التي تنزل بالمسلمين، كما أن الفهم المتبادل والكامل للأخوة في الله، من أسباب تماسك صفوف المسلمين وقوتهم، ومن أسباب شموخهم والتمكين لهم (3) .

9-من فضائل الأنصار:

أ- تسمية الله لهم «الأنصار» :

سماهم الله ورسوله بهذا الاسم حين بايعوا على الإسلام، وقاموا بإيواء المؤمنين ونصرة دين الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكونوا معروفين بذلك من قبل (4) فعن غيلان بن جرير رحمه الله قال: قلت لأنس: أرأيت اسم (الأنصار) كنتم تسمون به، أم سماكم الله؟ قال: سمانا الله (5) عز وجل.

أما مناقبهم وفضائلهم فكثيرة لا تحصى، منها مناقب عامة لجميع الأنصار، ومناقب خاصة بأفراد من الأنصار، أما المناقب العامة الواردة في القرآن الكريم ما يلي:

* فقد وصفهم المولى عز وجل بأنهم من المؤمنين حقا، فقال تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الأنفال: 74] .

* وبشرهم ربهم برضاه عنهم، وامتدح رضاءهم عنه، فقال تعالى: ( وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة: 100] .

* ووصفهم المولى عز وجل بالفلاح قال تعالى: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الحشر: 9] .

وأما الأحاديث التي تحدثت عن مآثر الأنصار فمنها:

-حب النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار:

عن أنس - رضي الله عنه - قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء والصبيان مقبلين- قال: حسبت أنه قال: من عرس- فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - مُمْثِلا ً (6) فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي» قالها ثلاث (7) مِرار.

ب- حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق:

عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (8) .

جـ- الشهادة لهم بالعفاف والصبر:

العفة والصبر شيمتان كريمتان تدلان على أصالة معدن المتخلق بهما، وتمام مروءته، وكمال رجولته وفتوته، وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار بهما، وما أعظمها شهادة وما أعظمه من شاهد (9) فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار أو نزلت بين أبويها» (10) .

(1) انظر: فقه التمكين في القرآن الكريم للصلابي، ص253.

(2) انظر: البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (1/11) .

(3) انظر: نظرات في رسالة التعاليم، محمد عبد الله الخطيب، محمد عبد الحليم حامد 262، بتصرف.

(4) انظر: الهجرة النبوية المباركة، عبد الرحمن البر، ص131: 135.

(5) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب الأنصار، رقم 3776.

(6) مُمْثِلًا: يعني انتصب قائمًا. ... (3) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم 3785.

(8) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم 3783.

(9) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص142.

(10) رواه أحمد (6/257) مجمع الزوائد (10/40) الحاكم (4/83) .

د- رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الانتساب إليهم لولا الهجرة:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعْبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار» (1) .

هـ - دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمغفرة لهم ولأبنائهم وأزواجهم ولذراريهم:

لا شك أن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستجاب، فقد فاز الأنصار بهذا الفضل فعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار» (2) .

و- وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إليهم وعدم إفزاعهم:

كان جهاد الأنصار في سبيل الدين عظيمًا، وكان فضلهم في نشره والدفاع عنه بليغًا، إذ لم يمنعهم من الخفة إلى الخروج في سبيل الله عسر ولا يسر، وحفظ الله لهم ذلك في قوله تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 117] .

ومن ثم كانت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار والإحسان إلى محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم، وكان ترهيبه - صلى الله عليه وسلم - من ترويعهم وتفزيعهم، وكانت توصيته بالأنصار خيرًا (3) فعن أنس - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الأنصار كرشي وعيبتي (4) وإن الناس سيكثرون ويقلون (5) ، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزا عن مسيئهم» (6) .

وعنه أيضًا قال: خرج نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقته الأنصار بينهم، فقال: «والذي نفس محمد بيده إني لأحبكم، وإن الأنصار قد قضوا ما عليهم، وبقي الذي عليكم (7) ، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزا عن مسيئهم» (8) وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر للأنصار: «... فمن ولي الأنصار فليحسن إلى محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ومن أفزعهم فقد أفزع هذا الذي بين هاتين» وأشار إلى نفسه (9) .

(( من السيرة النبوية للصلابي الجزء الأول )

(1) البخاري، مناقب الأنصار (6/112) رقم 3779.

(2) البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقين، رقم 4906.

(3) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص150.

(4) الكرش، كالكتف، والعيبة - بفتح المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة معناها ما يحرز الرجل فيها ويحفظ نفيس ما عنده من المتاع، والعيبة من الرجل: موضع سره وأمانته، انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص150.

(5) قال ابن حجر: (أي أن الأنصار يقلون، وفيه إشارة إلى دخول قبائل العرب والعجم في الإسلام، وهم أضعاف أضعاف قبيلة الأنصار، فمهما فرض من الأنصار من الكثرة كالتناسل فرض في كل طائفة من أولئك، فهم أبدًا بالنسبة إلى غيرهم قليل. ويحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أنهم يقلون مطلقًا فأخبر بذلك، فكان كم أخبر، لأن الموجودين الآن من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبليتي الأوس والخزرج ممن يتحقق نسبه وقس على ذلك ولا التفات إلى كثرة من يدعي أنه منهم بغير برهان) (فتح الباري7/122)

(6) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم 3801.

(7) قضوا الذي عليهم، يشير إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة فإنهم بايعوا على أن يؤوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وينصروه على ان لهم الجنة، فوفوا بذلك (فتح الباري 7/122) .

(8) مسند الإمام أحمد (3/187) .

(9) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص151.

الهجرة النبوية ملحمة حضارية اسلامية

كانت الهجرة النبوية ولاتزال ملحمة حضارية اسلامية لن ينضب معينها. ولن يمنع خبرها الي يوم الدين. وستظل مصدر عطاء كبير لمن يريدون أن يضعوا أساس البناء السليم لمجتمع إنساني راشد يقوم علي دعائم الايمان. ويستوعب كافة الفئات وجميع الجنسيات تحت مظلة واحدة. هي مظلة الدين الخالد الذي رفع الظلم عن المظلومين وأرسي دعائم الحقوق والواجبات. وحفظ المقومات والحرمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت