فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 205

يقول عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه:"القلوب أوعية ، والشفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ؛ فليحفظ كل إنسان مفتاح سره""52"

غالبا: ما تكون السرية بالأمر: عونا على قضائه ، وطريقا جيدا لإتمامه ، وأسلوبا نافعا لإنجاحه .

وهذه السرية الواعية النافعة المتعقلة ، نلحظها درسا هاما _ عمليا _ واضحا كل الوضوح ، في حادث الهجرة النبوية .

وبيان ذلك على النحو التالي:

أ _ لم يعلم بحادث الهجرة _ حين الخروج _ سوى علي بن أبي طالب بسبب دوره المطلوب ، وأبو بكر لأنه الصاحب فيها والرفيق ، وآل أبي بكر للتغطية ، والدور المطلوب كذلك ، وعامر بن فهيرة بسبب دوره كذلك ، وعبد الله بن أريقط ، الأجير المشرك ، لدوره المعروف ، وليس هؤلاء بالعدد الكثير بالنسبة لهذا الحدث الجليل .

ب _ طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختلي وينفرد بأبي بكر حين أراد مفاتحته في أمر الهجرة .

فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنها قالت"أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها ، قالت: فلما دخل ، تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي"أسماء"بنت أبي بكر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخرج عني من عندك ، فقال يا رسول الله . . إنهما ابنتاي ، وما ذاك فداك أبي وأمي . . ؟"53""

ولو لم يوثقهما أبو بكر ، ولو لم يؤكد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا القول أنهما على مستوى عال من كتمان الأمر ، وصيانته: لما تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر الهجرة أمامهما .

وقد أثبتت أحداث الهجرة المبكرة ، صدق تزكية أبي بكر لهما ، وأنه لا دخل للعاطفة _ بل الدخل لحسن التربية _ في هذه التزكية ، فيما قامت به السيدة أسماء بنت أبي بكر مما لا يتسع له المقام ، وهو مبسوط في كتب السيرة ؛ وقد نتعرض لبعضه فيما يلي .

ج _ ذهاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في ساعة ، لا تكاد ترى فيها أحدا في شوارع مكة أو شعابها من قيظ الشمس وشدة الحر ، متقنعا _ كما في رواية البخاري _ متخفيا ."53"

وكذلك: عدم خروجهما من باب البيت الأمامي ، بل من خوخة _ باب صغير خلفي _ في ظهر البيت ، حتى لا يراهما _ إن وجد _ أحد .

د _ عدم إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد من هؤلاء الذين علموا إلا في اللحظات الأخيرة ، صيانة للسر من ذيوعه ، وصيانة لهم من مخاطر كتمانه .

وهذا درس يرينا: منزلة السر ، ومكانة كتمانه ، وإذا كانت صيانة السر وعدم إفشائه واجب إسلامي مطلوب ، وأدب إسلامي مرغوب بصفة عامة ، فهو في أمور الدعوة الحركية أولى وأوجب ، سواء كان منك أو من غيرك ، لك أو لغيرك .

فهذا يوسف عليه السلام ، فيما يحكيه الله تعالى عن والده يعقوب صلوات الله وسلامه عليهما ، وهو يقول له معلما إياه أهمية السر ووجوب صيانته ( يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا ) "54"

ويقول علي رضي الله عنه:"سرك أسيرك ، فإذا تكلمت به: صرت أسيره""52"

ويقولون:من حصن سره ، فله بذلك خصلتان: الظفر بحاجته ، والسلامة من السطوات ."52"

وليس الأمر في ذلك خاص بالأفراد فقط .

بل هو عام: في الأفراد ، والأسر ، والجماعات ، والدول ؛ إذ كل منهم ينبغي أن يحتفظ بالسر ، ولا يطلع عليه أحدا .

وإن كبرى الدول وصغراها لترصد من ميزانياتها ، وأموالها ، الشيء الكثير من أجل الإنفاق على وسائل الاحتفاظ بأسرارها ، وصيانتها من أن يعرفها أحد ، وفي الوقت نفسه: لتعرف أسرار أعدائها ، وتكشف عن مخبوء نواياهم ، إما للنيل منهم ، أو رغبة في صيانة نفسها ، وحماية شعوبها ، من كيدهم وعدوانهم .

وما ذاك: إلا لأهمية هذه الأسرار _ لديها ، أو لدى غيرها _ وخطورتها .

والعاقل: من استطاع أن يكتم السر ويحتفظ به ، لا أن يفشيه ويذيعه ، ومن لا سر له: لا عقل له .

ومن لا يستطيع أن يحفظ سره: لا أمانة ولا أمان له ، ولا ينبغي أن يوكل إليه أمر ، أو تستند إليه مهمة ، أو يكلف بواجب .

وكم من إظهار سر: أراق دم صاحبه ، ومنعه من بلوغ مآربه ، ولو كتمه لأمن ضرره وسطوته ."52"

ومن الخطأ البين: ما يظنه البعض من أن كتمان السر أمر مطلوب بالنسبة لأناس بعينهم ، وهو على غيرهم كلأ مباح ؛ حيث إن السر ما سمي بذلك إلا لطلب عموم كتمانه .

ولذا يقال: انفرد بسرك . . لا تودعه حازما فيزل ، ولا جاهلا فيخون""54""

وما قد يفعله البعض ، مما يحكيه الأحنف بن قيس ، إذ يقول: " يضيق صدر الرجل بسره ، فإذا حدث به أحدا قال أكتمه علي""52 " ، وبذلك: سرعان ما يذيع وينتشر .

والعاقل من تمثل بقول كعب بن سعد الغنوي ، إذ يقول:

ولست بمبد للرجال سريرتي ولا أنا عن أسرارهم بسؤول

وقد أطلنا في التعقيب على هذا الدرس: لأن أمناء الأسرار _ كما يقولون _ أقل وجودا من أمناء الأحوال ، وحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار ، لأن إحراز الأموال بالأبواب والأقفال ، وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ، ويشيعها كلام سابق ، وحمل الأسرار أثقل من حمل الأموال ، فإن الرجل يستقل بالحمل الثقيل فيحمله ويمشي به ، ولا يستطيع كتم السر ، وإن الرجل يكون سره في قلبه: فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه من حمل الأثقال ، فإذا أذاعه استراح قلبه ، وسكن خاطره ، وكأنما ألقى عن نفسه حملا ثقيلا ""52""

ومن هنا: تكمن خطورة الأسرار ، ويثقل حفظها ، وتسهل إذاعتها .

والداعية الواعي: من يكون على قدر المسئولية ، وعلى مستوى الفهم والامتثال لهذا الدرس في حفظ السر .

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت