هجرة المرسلين ليست كهجرة البشر ، ذلك أنها هجرة هدفها التمكين لدين الله تعالى بإرساء قواعده في الأرض لإعلاء شعائره إلى السماء ، وهي هجرة لا يقدم عليها الرسول إلا بإذن ربه ، وكم فات هذا المعنى كثيرًا من الباحثين فخلطوا حتى آذوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم هاجر خوفًا أو فرارًا من الأعداء ، يقولون هذا وموسوعات السيرة النبوية بين أيديهم تقص عليهم حث الصديق رضي الله عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهاجر فيبين له الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه في انتظار أمر ربه . حتى أذن سبحانه فكانت الهجرة من أجل دين الله: فلم تكن لدنيا .. أو مال ...
واستوى - لهذا الأمر - رجال ونساء ، وما أكثر ما كان من حديث للرجال في الهجرة ربما كان سببًا في خفاء أمر نسوة كن على طريق الهجرة من قبل الهجرة ومن بعدها ، أديّن أدوارًا غاية في الروعة والفداء والإيمان ، نسوة صَدقن أيضًا ما عاهدن الله عليه ، فلمعن في سماء الإسلام نجومًا باهرات لم يكن مثلهن في التاريخ ، ومن تلك النسوة:
1- (التمهيد للهجرة) نسيبة بنت كعب المازنية ، وأم منيع أسماء بنت عمرو السلمية:
بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة ، وأخذ يدعو قومه ، فأسلم منهم قليل ، وبسطت قريش أيديها وألسنتها بالسوء ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على القبائل عله يجد من بينها ناصرًا ، فلم يجد منها جميعًا أذنًا صاغية ولا قلبًا واعيًا حى لقي في موسم الحج نفرًا من الخزرج فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فصدقوه وآمنوا به ، وقالوا: إنا تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العدواة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله إليه ، فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بايعوه .
فلما عاد إلى المدينة المنورة أذاعوا بها الإسلام فأجاب داعيتهم خلق كثير ، حتى إذا كان موسم الحج من قابل ذلك العام ، خرج من المدينة ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبايعوه ويؤتوه عهدهم وذمامهم أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم ، فتوافدوا جميعًا إلى العقبة الثانية التي كانت النواة الأولى في لبنة الدولة الإسلامية ، وما يهمنا من أمر هذه البيعة هو ما كان من أمر المرأتين وهما:
? ... نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو من بني النجار: وتكنى أم عمارة الأنصارية ، وهي زوج زيد بن عاصم الصحابي الجليل ، وكانت بطلة مجاهدة من أبطال الإسلام ، ويحفظ لها التاريخ وقفتها يوم أحد ، وهي تقاتل دون النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال: [ ما التفت يمينا وشمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني] وقد جرحت ثلاثة عشر جرحًا ، والدم ينزف منها ، فنادى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ابنها عمارة قائلًا: [ أمك أمك اعصب جرحها ، بارك الله عليكم من أهل بيت ، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان ] فلما سمعت أمه قالت: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: [ اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ] فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا .
ويحدث التاريخ عن موقفها في حروب الردة ومقاتلة مسيلمة الكذاب الذي قتل ابنها"حبيب"وقطعه قطعًا ، وشاركت في الحرب كأحد الأبطال الميامين حتى قطعت يدها ، فهذه المرأة وما اتصفت به من صفات تفوق الخيال كانت أولى المبايعات للنبي - صلى الله عليه وسلم - وامرأة بمثل هذه القوة والشجاعة لا بد أن يكون لها في قومها رأي ومكانة ، ولا بد أن يكون لها تأثير على نساء قومها ، الذين عرفوا فيما بعد الأنصار .
? ... أم منيع: أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن سواد بن سلمة ، وتعرف بأم منيع الأنصارية ، وهي أم معاذ بن جبل ، أحد الأئمة المعدودين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلمت حين تنفس صبح الإسلام بالمدينة المنورة ، قبل بيعة العقبة الثانية ، وجاءت مع وفد البيعة وكانت من أتم القوم عقلًا ، وأحكمهم رأيًا ، ومن المشاركات في الجهاد في غزوة خيبر. كلتا المرأتين كانت مثالًا في قومها للرأي والحكمة والعقل والشجاعة ، ولا بد أن يكون لذلك تأثير على من سواهما من نساء يثرب ، فقامتا مع الرجال بتعبئة الجو العام اليثربي وتيهئته للإسلام حتى كانت الهجرة فكان المجتمع اليثربي مستعدًا لتكوين وتشييد وإقامة الدولة الإسلامية التي تكونت نواتها الأولى ببيعة العقبة .
2- ( طليعة الهجرة ) ليلى بنت أبي حثمة العدوية:
هي ليلى بنت أبي حثمة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن كعب بن لؤي القرشية العدوية ، زوج عامر بن ربيعة العنبري .
قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كان زوجها مهيأ نفسيًا لرؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - والإيمان بدينه ، وذلك لأن زيد بن عمرو بن نفيل قال لعامر زوجها ، أنا أنتظر نبيًا من ولد إسماعيل ، ثم من بنى عبد المطلب ، ولا أراني أدركه ، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي ، فإن طالت بك مدة - يا عامر - ورأيته فأقرئه مني السلام.
وهكذا كانت"ليلى"مهيأة لقبول الدين الجديد ، لأنه زوجها كان يردد كثيرًا قول زيد بن عمرو بن نفيل فلما سرى في مكة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله الواحد الأحد أقبل عامر وليلى وأسلما ، وكانا في طليعة المهاجرين إلى الحبشة لما اشتد أذى قريش ، وقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: [ أخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ] تقول ليلى: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا ، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة ، جاءني عُمر وأنا على بعيري نريد أن نتوجه ، فقال: أين يا أم عبد الله ؟ - وهي أم عبد الله بن عامر ، وبه كانت تكنى - فقلت آذيتمونيا في ديننا ، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله ، فقال: صحبكم الله ، ثم ذهب فجاءني زوجي عامر بن ربيعة ، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر ، فقال: ترجين أن يسلم ؟ فقلت نعم .. وهاجرت وهي وزوجها إلى الحبشة ، ولما علم المهاجرون بإسلام عمر عادوا أملًا في أن يكون فيه المنعة والحماية ، فلما اشتد أذى الكفار ، هاجرت ليلى وزوجها"عامر"مرة أخرى عائدة إلى الحبشة ، وعندما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بالهجرة إلى يثرب وقال: [ من أرد أن يخرج فليخرج إليها ] كانت ليلى بنت أبي حثمة ، هي أول امرأة هاجرت إلى المدينة ، فقد كان أول المهاجرين - أبو سلمة- ثم تبعه ، عامر بن ربيعة ، وزوجه ليلى وتعد أول ظعينة تهاجر إلى المدينة ، ويظن الكثير أن أول مهاجرة كانت أم سلمة ولكنها كانت"ليلى"وليست أم سلمة كما سيتضح من عرضنا لأم سلمة فيها بعد .
ولم تكن هجرة ليلى بنت أبي حثمة ، إلى يثرب -المدينة- مجرد انتقال من مكان إلى مكان ولكن كان لها دور إيجابي هي وباقي المهاجرات والمهاجرين في توطيد دعائم الدين الإسلامي في قلوب اليثربيات واليثربيين ، وليس أدل على ذلك مما رأيناه من خروج الأنصار والمهاجرين ونسائهم للقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد علمهم بهجرته المباركة .
3. (بداية الهجرة) رقيقة بنت صيفي:
هي رقيقة بنت صيفى وقيل بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، عمها عبد المطلب بن هاشم وكان أسن منه ، وتتصل"رقيقة"برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هاشم بن عبد مناف فهو جدها وجد أبيه ، ولما أدركها الإسلام كانت قد تطاول عليها القدم ، وجاوزت حد الهرم ، والتاريخ الإسلامي يحفظ لها وقفة مع الإسلام ، كثيرًا ما يغفلها المؤرخون ، فلقد كانت ترقب ما يدور على الساحة من حولها وترى أن عدد المسلمين في ازدياد ، وكذلك عذاب المشركين يحمي وطيسه كلما أسلم مشرك ، وقد اجتمع كبار المشركين ليلًا ومعهم إبليس اللعين في صورة شيخ نجدي وانتهى أمرهم إلى أن يقتلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في داره ، بيد فتية ، من كل قبيلة فتى ليتوزع دمه - صلى الله عليه وسلم - في القبائل ، تلك المرأة المسنة - رقيقة - هي التي استشفت خبر قريس يوم ائتمروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فذهبت العجوز تجر أثقالها حتى أنهت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الخبر وحذرته من المبيت في داره وحدثته بحديث القوم الذي لا يعلمه إلا الله ثم هي ومن تآمروا عليه ، ذهبت العجوز التي أنافت على المائة ، لتنقل الخبر ولم تأمن على نقله ابنها مخرمة بن نوفل وهو من لحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذوي صحبته ، ذلك لأن الشك فيها وهي العجوز المسنة مستبعد ، وما أطيب امرأة ، وأجل منزلتها أن ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما سبق به جبريل إليه على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام .
ولعل هناك من يقول: وأي عظمة تجدها امرأة سمعت خبرًا فألقته كما سمعته ؟
ذلك قول من لم يستبطن الأمر ، ويتبين دخيلته ، فإن فئة قليلة العدد خطيرة الغرض ، من هامات القوم ، وأشداء فتيانهم ، بيتوا أمرهم واحتجزوا خبرهم عن بقيتهم ، والممالئين لهم ، وتعاهدوا وتعاقدوا ألا يذيعوه حتى يمضوه ، فئة ذلك شأنها وتلك غايتها ليس بالهين اليسير كشف أمرها والوقوف على ذوات نفوسها ، واستنقاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كيدها وشر غائلتها .
وتكون -رقيقة- مشاركة في أعظم حوادث الإسلام خطرًا ، وأبقاها أثرًا ، وأدومها على مر الدهور ذكرًا ، وأقومها ببناء الإسلام ، وبنقلها خبر قريش يكون البدء الفعلي للهجرة .
4. (الفداء والبطولة) أسماء بنت أبي بكر:
هي أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة القرشية التيمية ، وأمها قتيلة بنت عبد العزى بن أسد ، وهي شقيقة عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأم عبد الله ابن الزبير ، وأخت عائشة أم المؤمنين لأبيهاا ، أسلمت بعد سبعة عشر مسلمًا ، وأصبحت بطلة ضربت أروع الأمثلة في البطولة والفداء .
تنقلت العظائم من يد طاهرة إلى يد طاهرة ، فبعد أن دعمت العجوز -رقيقة بنت صيفي- أثرها أقامت الفتاة الحدثة"أسماء بنت أبي بكر"أثرها أيضًا ، لقد أعجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه عن ابتغاء الزاد ، وشغلهما الغرض الأسمى عن الغرض الأدنى ، فسارا خفيفين إلى غار الذورة العليا في جبل ثور إخفاء لأمرهما ، وإعياء للذاهبين في أثرهما .
قامت الفتاة بحمل أمانة يُشفق على الرجال من حملها ، فكانت تقطع ثلاثة أميال إلا قليلًا - وهي الصبية الناشئة- في جوف الليل ، ووحشة الطريق ، بين أسنة الصخر ، ومساحات الرمال ، تمشى متخفية حذرة مترقبة حتى تصعد إلى هامته ، ثم تنحدر في جوفه فتوافي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبة كل ليلة بالزاد والماء وبما عسى أن تكون قد سمعته ، أو رأته ، من حديث القوم وخبرهم.
قامت الصغيرة بدور فدائي وحملت أمانة الإمداد والتمويل للرحلة المباركة ، ونقل أخبار الكفار ، ولما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - الرحيل من الغار متجهًا إلى يثرب جهزت الزاد والماء ، ولم تجد ما تربطهما به ، فشقت نطاقها وربطتهما به ، وحين فعلت ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [ أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة ] فقيل لها ذات النطاقين .
تلك هي الصبية التي تركت الولدان والولائد من لداتهها وأترابها يغدون إلى ملاعبهم ويأوون إلى صدور أمهاتهم ، وذهبت إلى حيث يعجز أشداء الرجال وأبطالهم ، فأي قوة تلك التي أمدها الله بها ، وأي قلب ذلك الذي أودعه الله بين ضلوعها ، وأية عزمة تلك التي خفقت في نفسها ؟ فلعمري لئن سلمت الفتاة"أسماء"من عثرات الطريق ووعثاء الصحراء تحت جنح الليل البهيم ، فلم تسلم من أذى قريش وكفارها ، فجاءها نفر واقتحموا عليها وداعتها وهدوءها وأحاط بها رجال القوم وهي فريدة بينهم لا يحمي ظهرها رجل ، وسألوها في عصبية: أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ فردت في صمود وشموخ وثقة وإباء: لا أدري أين أبي !! فرفع النذل أبو جهل -لعنه الله - يده ولطمها لطمة قاسية طار لها قطرها ، ولم يوهن ذلك شيئًا من عزيمتها ولا عبث بمكنون سرها. وتعد هذه الفتاة الفدائية مثلًا لتلك النفوس التي استخلصها الله لدينه ، واصطنعها لدعوته ، ونفث فيها من روحه ، فكانت مستقرًا لفضائل الكمال ، ويحدثنا التاريخ بإسهاب لمواقفها البطولية بعد ذلك في مجال الجهاد والدعوة ، وليس أعظم من قولتها لابنها عبد الله بن الزبير حين خشي من التمثيل بجثته: يا بني إن الشاه لا يضيرها سلخها بعد ذبحها ، فامض واستعن بالله ، قالت هذا وهي تحذر مصير ابنها ، ولكنها تعلمت أن تضحي منذ الصغر ، ولا تبخل في سبيل الله بالجهد بالمال والولد
5.عاتكة بنت خالد الخزاعية"أم معبد": ( الوصف الفذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) :
هي عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن كعب بن عمرو من خزاعة ، وتعرف"بأم مَعْبَد الخزاعية"من ربات الفصاحة والبلاغة وكانت امرأة برزة جلدة تسقى وتطعم ، فمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليها في خيمتها ، هو وأبو بكر رضي الله عنه ، ومولاه عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط ، وسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروه ، فلم يصيبوا عندها شيئًا ، وفي كسر الخيمة شاة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [ يا أم معبد هل بها من لبن ] ؟ فقالت: هي أجهد من ذلك ، فقال: [ أتأذنين لي أن أحلبها ؟] قالت: نعم إن رأيت بها حلبًا ، فمسح الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيده ضرعها وسمى الله ، ودعا لها في شاتها ، فدرت ، واجترت فدعا بإناء فحلب فيه حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم ثم حلب فيه ثانيًا ثم غادره عندها وارتحلوا عنها .
وما لبثت"أم معبد"حتى جاء زوجها يسوق أعنزًا عجافًا فلما رأى اللين قال في عجب: من أين لك اللبن يا أم معبد والشاه عازب حيال ، ولا حلوب في البيت ؟ قالت عاتكة: لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . فقال: صفيه لي ، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب ، وخُلدت عاتكة في التاريخ بما قدمته من وصف للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - فهو أدق وصف وصف به ، فلم يصفه الواصفون بمثل ما وصفته به أم معبد . قالت في وصفه: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزر به صُعلة ، قسيم ، وسيم في عينيه دَعَج ، وفي أشفاره وَطَف ، وفي صورته صَحَل ، أكحل أزج أقرن في عنقه سَطَع ، وفي لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خزرات نظم ينحدرن ، أبهى الناس ، وأجمله من بعيد ، وأحسنه من قريب ، ربعة لا تشنأه عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرًا ، وأحسنهم قدًا ، وإن أمر تبادروا لأمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند . فقال: - أي بعلها - هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا .
وأي محدث يريد أن يصف النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسعه إلا أن يعود إلى وصف أم معبد البليغ ، وقد كان لها دور أيضًا في الهجرة ، فخيمتها معروفة على الطريق من مكة إلى المدينة ، وبعد رحيل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغار انقطعت أخباره عن أصحابه في مكة فلم يعلموا الوجهة التي قصدها النبي صلى الله علهيه وسلم وبعد ما حل في خيمة أم معبد عرف كل من بمكة ذلك ، وعن هذا تحكى الفدائية"أسماء"فتقول: مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإن الناس ليتبعونه ، يسمعون الصوت ولا يرون صاحبه ، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خبر جزائه رفيقين حلاّ خيمتى أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيا لُقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ، ضبرة الشاة مزبد
فغادرها رهنًا لديها لحالب يدُر لها في مصدر ثم مورد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن وجهه إلى المدينة ، وأخذ المهاجرون على خيمتي أم معبد حتى لحقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهكذا كانت خيمتا أم معبد حلقة الوصل لتصل ما انقطع من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسلمين في مكة ، وفي الخيمة كانت الراحة للمهاجرين ، ثم الترحال للحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم
نفحات من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التأريخ الهجري:
رفع صك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه محله في شعبان فقال عمر: أي شعبان؟ الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعوا للناس شيئًا يعرفونه وقد أجمعت كلمة الصحابة على استبعاد تاريخ الروم والفرس ليكون للمسلمين تاريخهم المستقل الذي ابتدأ حقيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الهجرة النبوية هي الحد الفاصل بين المرحلة المكية والمدنية للدعوة الإسلامية فقد اتفقت الآراء على أن يكتبوا التاريخ من مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وعلى أن يكون البدء من شهر الله المحرم فهو مصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام.
آفاق جديدة:
فتحت هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة آفاقًا جديدة للدعوة الإسلامية التي تعتمد مبدأ الكلمة الواعية المستندة إلى توحيد الله عز وجل، ولقد دخلت المدينة (يثرب سابقًا) مرحلة جديدة بعد بيعة العقبة الثانية حيث بدأ فيها التاريخ، وبدأ فيها التحول والتطور نحو حياة أفضل، إذ تحولت نزاعات الأوس والخزرج إلى ألفة ومحبة، وتبدلت فرقتهم إلى عزة وتوحد، وانهارت وثنيتهم أمام نور توحيد الله وبدأ دور يهود يثرب يأفل ويغيب حيث كانوا يسيطرون على اقتصاد يثرب ويسعون جاهدين إلى تشتيت القبائل العربية وتمزيق وحدتها وإشعال نار الفتن والخصومات بين أهلها، ولما دخلت طلائع الدعوة الإسلامية تكشفت مؤامرات يهود وبدأ دورهم بالانهيار وقام سفير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير بنشاط دعوي كبير حيث دخل على يديه إلى الإسلام عدد كبير من زعماء بني عبد الأشهل والقبائل العربية الأخرى بحيث لم يبق بيت في المدينة إلا ودخل إليه نور الإسلام.
الدعوة بالتربية والقدوة:
هاجر إلى المدينة المنورة (79) مسلمًا من المسلمين الأوائل الذين دخلوا مدرسة دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة المكرمة حيث كان محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وكان كتابهم القرآن الكريم يتعلمون أحكامه وعلومه وأخلاقه وآدابه حتى تخرجوا من هذه المدرسة وقد تطهرت عقيدتهم من الشرك والوثنية، وتنظفت نفوسهم من الأمراض الأخلاقية، وخلت قلوبهم مما سوى الله، وأخذوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدروس التربوية عن طريق القدوة الطيبة، والأسوة العملية الحسنة، وبموجب عقد التآخي بين المهاجرين والأنصار فقد دخل المهاحرون (79) بيتًا من بيوت الأنصار فنقلوا إليهم العقيدة الحقة والأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم عن طريق القدوة الحسنة، وهذا بدوره حول هذا المجتمع إلى مجتمع فاضل يعرف فيه كل فرد حقوقه وواجباته تحت ظلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم نحن بحاجة إلى اتباع أسلوب الدعوة العملية بالقدوة والأسوة الحسنة ليعشق الآخرون الإسلام من خلال التزامنا العملي به ولقد ضرب التجار المسلمون أروع المثل في البلاد التي سافروا إليها فرأى أهلها معاملات صادقة، وأخلاقًا فاضلة مما دعاهم إلى الدخول في دين التجار المسلمين هكذا فتحت أندونيسيا وماليزيا وجزر الأرخبيل في جنوب شرق آسيا. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
المعية الإلهية:
وصل المشركون إلى غار ثور حيث انقطعت آثار أقدام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق وخشي أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا، ولقد سطر القرآن هذه الحادثة فقال"فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها"ولا بأس من إلقاء الضوء على التساؤل التالي: هل المعية الإلهية كانت خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق في الغار؟ ولدى الرجوع إلى الحقائق القرآنية نجد ما يلي:
1-طلب الله من موسى وهارون القيام بواجب الدعوة والبلاغ إلى فرعون بقوله: اذهب إلى فرعون إنه طغى فاعتذر إلى الله بالخوف من استكبار فرعون وطغيانه"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى"فطمأنهما الله بالمعية الإلهية الناصرة"قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى"
2-وظلت هذه المعية الإلهية مع نبيه موسى عليه السلام لما فر من فرعون وجنده مع المؤمنين خشي من معه بأن يظفر بهم فرعون"فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون"فطمأنهم موسى بالمعية الإلهية"قال كلا إن معي ربي سيهدين".
3-وقد طلب الله من بني إسرائيل القيام بعدة أمور لاستحقاق المعية الإلهية"وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا"وبإمكان كل مسلم أن يستحق شرف المعية الإلهية إذا قام بمتطلباتها، وهي:
أ- التقوى:"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"والتقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
ب- الصبر:"إن الله مع الصابرين".
جـ - الإحسان:"وإن الله لمع المحسنين"ويشمل الإحسان تقديم الخير إلى الخلق، ومجاهدة النفس في العبادة حتى يصل الإنسان إلى مقام"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
هجرة الصديق مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة