تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} وقال تعالى: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} .
ولقد سميتهم يومًا مجوس هذه الطائفة، فيما جرى من كلام على رؤوس الملأ. فسألوني عن تأويله، فقلت: ما نطقت به جزافًا، لكني على بصيرة نطقت به. وذلك أن الدنيا شبهت بالمرأة الزانية، التي تتزين للرجال، وتعرض نفسها وتتبرج في زينتها. فالذي يفخر بها هو الذي ينخدع لها حتى يأخذها. من حيث لم يؤمر له في ذلك. فهذا كلام جارٍ في الحكمة، لأن المرأة إذن للرجل أن يتناولها من حيث أذن له: على رسم الكتاب والسنة. فإذا تبرجت بزينتها وفتنته حتى تناولها من حيث لم يؤذن له - فهي كالمرأة الزانية. وإنما ذكرت ما ذكرت من حال المجوس وشأنهم، لأن المجوس يتناولون محارمهم على جهة النكاح، وهو أعظم من الزنا: فقد جمعوا بين حرمتين، لأنهم يزنون بالأخت والبنت.
فرأيت هذه الطبقة، قد عمدوا إلى مذهب فشهروا فيه أنفسهم عند الناس: من ترك الفضول، وشيء من الزهد والتورع والتعبد، وحكايات ملتقطة من هنا وهناك. ثم اتخذوها علمًا، لا يعرفون ما أولها وما آخرها. فنالوا به رياسة في ناحية من النواحي، حتى اتخذوا بذلك جاهًا. وتمكنوا في الرياسة واتسعوا في نعمة المأكل والمشرب والملبس والمنكح والضيافات، وغير ذلك من المرافق والنساء. فنظرت في ظواهر أمورهم وبواطنها: فوجدت الأركان معطلة من العبادة، مشغولة بالقيل والقال والبقبقة! فقلت: (هؤلاء) ليسوا بعمال (حقًا!) ونظرت إلى منازل الأولياء، فإذا قلوبهم عنها غائبة. فقلت: هم في الطريق يسيرون إليه. فوجدتهم قد تخطوا في الطريق خطوة أو خطوتين، ما بلغوا ثلاث. حتى قامت عليهم نفوسهم، بما وجدت من اللذة والفرح بالعطايا، فاستأسرتهم، فإذا هم موتى، طرحاء على مزبلة، يحسد بعضهم بعضًا ويتأكلون الناس.
نفوسهم معلقة بأحوالهم، وقلوبهم مشغولة بتعلق نفوسهم. همهم ظهورهم (لباسهم؟) وبطونهم، واصطياد الأرامل. يعمد أحدهم إلى أرملة موسرة، فيغتنم رغبتها