فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 90

قال: يؤدي الفرائض، ويحفظ الحدود. فليس في هذا الشغل، أن قام به، ما يعجزه عن سائر الأشياء. وأي عبودة أشرف من هذا؟ وهل ألزم الله العباد إلا بهذا؟

قال له قائل: فهل يضره إن هو اشتغل بهذه الطاعات؟

قال: وأي ضرر بأكثر من سائر إلى الله تعالى، وقف على بعض عبيده، أو على شيء من خلقه، يلتذ به؟ أليس هذا مما يقف به عن السير؟ أرأيت لو أن أمير المؤمنين دعا بعض قواده ليقربه ويخلع عليه ويحبوه؟ فسار إليه هذا القائد؛ فلما بلغ بعض الطريق، عمد إلى موضع منزه، حلى لصدره لنزاهته، فأخذ يبني له هناك قصرًا. هل يقع ذلك من أمير المؤمنين؟ واحتج (القائد) بأن قال: أبني هذا القصر، لأ تقرب به إليه. أليس هذا، عند أهل العقل، من الحمق؟ وما خطر هذا القصر، عند أمير المؤمنين؟ وأين هذا من ملكه إنما دعاك ليقربك، ويظهر مكنون ما عنده لك. فما اشتغالك بهذا؟ قال (القائد) : لأزداد عنده قربة! فسمع أمير المؤمنين بذلك، فازدرى عقله، وقال: أحسب هذا إنما دعوته لأقربه بما سلف منه إلي؟ فوجد عليه من ذلك، وقال: اكتساب الجاه عندي أن تسير إلي عندما بلغتك دعوتي؛ فتنال محل القربة؛ لا باشتغالك ببناء القصر لي.

فإذا كانت هذه المعاملة، فيما بين العبيد، في الدنيا هكذا - فكيف بمعاملتك مع رب العزة على هذا السبيل.

إن الله تعالى دعا العباد، فقال: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} فأجابته طائفة بأن آمنوا به، وخلطوا في عمل الأركان. فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة القلوب توحيدًا. ثم تقدمت طائفة أخرى، أمام هذه الطائفة؟ فأخلصوا العمل لله، وتطهروا من التخليط فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة الأركان طاعة وتسليمًا. ثم تقدمت طائفة أمامها؛ فأخلصوا القلوب، وتطهروا من شهوات النفوس وأعمال الهوى. فقيل لهم: لكم، بما أجبتم، حياة النفوس الشهوانية انقيادًا لما يأتي به القلب، ويرد عليه من اليقين. ثم تقدمت طائفة أخرى أمامها، تتقرب إليه. فقيل له: لكم، بما أجبتم، حياة القلوب والنفوس جميعًا!

فهذه أربع طبقات. كل طبقة إنما تعطي من هذه الحياة، التي وعد الله بها، على قدر استجابتها لدعوته. فإن موت القلوب من شهوة النفس. فكلما رفض شهوة نال من الحياة بقسطه. فيقال لهذا السائر إلى الله، عز وجل: إنك لن تنال الوصول إليه، ومعك مشيئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت