وكان ذلك في الغيب من منة الله تعالى على هذا العبد، حيث أعطاه الختم لتقر به عين محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف. حتى قعد الشيطان بمعزل، وأيست النفس فبقيت محجوبة.- فيقر له الأولياء يومئذ بالفضل عليهم. فإذا جاءت تلك الأهوال لم يك مقصرًا. وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ، بالختم فيكون أمانًا لهم من ذلك الهول. وجاء هذا الولي بختمه فيكون أمانًا لهم بصدق الولاية، فاحتاج إلى الأولياء.
وللختم شأن عجيب! ولله في ولد آدم عجائب، وخلقهم لأمر عظيم.- ولما عرف العاقل أن الله ولي خلق آدم بيده علم أن هذه خطة فيها أمور عظام. ولما عرف أنه سماه (( خليفة ) )علم أن ههنا عجائب: فإن الخليفة له شعبة من ملك المستخلف.
قال له القائل: قد انتهت مسألتي ومحاورتي، وبقيت خلة أجلك عن ذكرها، وتحوك في صدري وتأبه نفسي تركها.
قال: هات، أجلك الحقّ
قال (المريد) : أنك تجري في كلامك، حتى إذا وقفت على بعض هذه الطبقات التي تنعت كلامها، تغيرت لهم وغلظ كلامك عليهم، كأن الرحمة لهم انتسفت من قلبك، فما هذا؟
قال (الشيخ) : نعم، جاد ما سألت! (اعلم) أن الله تعالى جعل الحق ليقتضي الوفاء بقيام التوحيد والانقياد للحق. فإذا وجدهم الحق معظمين له، قائمين بوفائه رجع إلى الله تعالى مثنيًا عليهم. فيرجع من الله تعالى بالمدد إليهم من الأنوار حتى يزدادوا قوة على القيام بذلك. ومن وجده الحق غير معظم له رجع إلى الله تعالى يشكوه. فالرحمة تلقى الحق بين يدي الله تعالى وتراقبه. كلما جاء الحق يشكو التأذي من الخلق. حنت الرحمة في محلها بين يدي الله، حنين الوالهة فيسكن السلطان. ولولا شأن الرحمة وحنينها لثار السلطان بمجيء الحق شاكيًا ودمر العباد.
فهذا شأن الله تعالى في العباد. فإذا جاء الحق يشكو معاندًا ثار السلطان، بالعقوبات، واعتزلت الرحمة، فإن المعاند مبارز. ورب عبد تحل به (العقوبة) في طرفة عين، ورب عبد تطل العقوبة على رأسه إلى مدة سنين، حتى يؤذن لها فتحل به عند