ولم ينقطع هذا الجبل مقاسًا وتشبيهًا. وإنما يخفى هذا على المقاييس. فليس هذا يعلم: هذا موجود!
وإنما العلم علم المنن، ثم علم الصنع والتدبير، ثم علم المقادير، ثم علم البدء، ثم علم الآلاء الذي بدأ مع المشيئة في الأحدية والفردية. فمن أخذ برأس جبل كل نوع من هذه العلوم وقع في بحر الله عز وجل، فغرق فيه وأحياه الله به! ومن أخذ برأس جبل علم النفوس وعيوبها وقع في بحر النفس فغرق فيه، وقتلته النفس!
قال له القائل: ذكرت أنه لا تبقى له مشيئة، وكيف تنقطع عنه مشيئة الوصول إليه؟
قال: لو تركه عمر نوح، عليه السلام، لم تنقطع عنه تلك المشيئة. ولكن الله لطيف بعباده، حكيم في أمره. يلطف بعبده حتى يقطع عنه المشيئة. فحينئذ تظهر نفسه من جميع المشيئات ويصح للقبول. فإنه ما دامت له مشيئة واحدة فنفسه معه. فليس للقلب أن يتقدم إلى الله تعالى، في مقام العرض ليقبله ويتخذه عبدًا، بعد أن تولى سيره إليه بنفسه. ولا يكله (الله) إلى نفسه حتى يجاهد. وليس لمثل هذا القلب أن يتقدم إلى الله تعالى مع نفس فيها مشيئة. لأن تلك المشيئة شهوة، (وهي خيانة من النفس) وسوء أدب، وليس للخائن أن يقرن بالأمين حتى يتقدما إليه (إلى الله تعالى) فيقبلهما.
قال له قائل: فكيف لطف الله تعالى بعبده من هذا المقام حتى انقطعت (عنه) مشيئته؟
قال: لو ضننت (بالإجابة عن هذه المسألة) على الخلق أجمعين حتى أصيب لها أهلًا لكنت محقًا بذلك. ولكن قلبي أجده يعطف عليك؛ وأحسب أن فيك لله خشية. إذا خرجت للعبد الرحمة، من ملك الرحمة، سقاه ربه شربة يسكره بها عن هذه المشيئة!
قال (القائل) : وما هذه الشربة؟
قال: شربة الحب.
قال: وما هي؟
قال: كفاك هذا! - فصار (العبد) بحال لم يعقل من هذه الأمور شيئًا. فباطنه سكر، وظاهره حيرة وبهتة. وأما المشيئة فمفقودة في هذا السكر. فإن أفاق من سكره قليلًا صرخ إلى الله تعالى، صراخ المضطر، فجاءت الرحمة فاحتملته ووضعته بين يديه.
قال القائل: ولم يصرخ؟
قال: لأنه لما أفاق من سكره قليلًا وجد ريحًا.
قال: وما ذاك الريح؟