الصفحة 11 من 29

(ثالثًا) الساحة العلمية التطبيقية /

أكثر العلوم التطبيقية التجريبية ناشئة في الغرب ، رغم أنها وليدة الشرق ، وهذا ما جعل من سيادة المصطلح الغربي الأعجمي أمرًا فارضا وجوده، وليس من سبيل إلى توجيه نقد شديد إلى التبعية المصطلحية في هذا المجال ، مع التسليم بأن التبعية شيء غير محبب ، ولا مشرف في الأصل ، وخاصة إذا كانت تبعية على الطريقة الشرقية.

(رابعًا) الساحة الفلسفية /

إن المصطلح الفلسفي العربي المعاصر قد أحدث قطيعة جلية عن المصطلح الفلسفي القديم (5) .الذي لم يكن بدوره أصيلا أصالة تامة . حيث أسبغ عليه المأثور الإغريقي سيلا من المصطلحات ، أفقدتنا الثقة في أصالته ، فضلا عن الفحوى الفكري نفسه الذي لم يسلم من التشكيك والانتقاص القيمي ، بحق وبغير حق .

وتعويضًا أمام القطيعة عن المصطلح القديم ، توجه المصطلح الفلسفي المعاصر إلى الشمال ، أي إلى الغرب ، فاستورد ولم يزل سيلًا من المصطلحات الفلسفية غير العربية ، فاستعملت على صعيد واسع جدا في كلام وتنظيرات المعاصرين، سواء الفلاسفة ، والمتفلسفين، فضلًا عن أدعياء التفلسف.

إن المصطلح العربي يجيء على نوعين من حيث القبول والتلقي ، وذلك أمر يحكمه مدى دقة ولطف ومناسبة المدلول والمفهوم المنطوي وسط الهيكليّة الحروفية، فثمّ مفاهيم تخرج من مصطلحات أريد لها تبنيها ، بيد أنها غير مؤهلة لعملية التبني تلك ، فترى ذلك المفهوم يخرج من ذلك المصطلح خروج الفأر من جحره، قلقا خائفا مضطربًا . في حين نلقى مفاهيم تنساب فوق حروف مصطلحها فتسيل بروية واطمئنان ، حتى تنسكب في القلوب والعقول ، بعد أن تتلقاها الآذان أطيب لقاء قبل ذلك ؛ لأنها استوفت شروط القبول المصطلحي ، وهذه الشروط -عندي- هي:

1-ثبوت الأصالةاللغوية.2-توفر الدقةالمعنوية 3- تحقق السلاسة الصوتية الإيقاعية .

كل هذا لو اجتمع في مصطلح ما ، جاء مثاليًا وبليغا ً.

في عصرنا هذا نلحظ أن ثمت مصطلحات شاعت وذاعت برغم كونها فاقدة لأهلية القبول اللغوي ، فهي مصطلحات دعية لقيطة انبنت على تحريف وتشويه لبعض الصيغ الصرفية . من تلكم المصطلحات: قولهم (إسلاموي- حداثوي- علموي - ذاتاني- ذاتوي) .ويتحمل محمد اركون، وغيره كثيرا من المسؤولية، في هذا كما قد يدخل في دائرة المسؤولية شيوخ المجاميع اللغوية العربية.

وفي مضمار المصطلحات اللقيطة استثمرت جملة من الألفاظ الأجنبية ، وأضيف إليها زوائد عربية كياء النسبة -مثلًا-. وهذا الاستراق من الآخر أمر يشي بمدى ضعف الثقة في اللغة ، وضعف العلم بها . ومن تلك الألفاظ قولهم (تيمة- تيمات-تابو- تابوهات- دينامية-استاتيكية- اسكاتالوجي- الإمبريقية) .

ولست أريد أن تتصورني جموديًا متعصبا ً للعربية القديمة ، لكني ابتغي أن تحترم هاته اللغة العظيمة ، وألا ينتهك حماها بغير حق ، وبانعدام المسوغ ، وألّا يستبدل بها غيرها في لحظات ضعف أو جهل من طرف بعض المثقفين ، والمبدعين من مفتقدي الحس اللغوي إلى درجة لم تقف عند خلق أزمة مصطلح إنما تجاوزت ذلك إلى اصطناع أزمة لغوية شاملة ، إن لم أكن مبالغا ، وأنا ممن يرى جواز الاستعانة بالمصطلح الأجنبي ، لكن في نطاق ضيق بحسب الحاجة الصوتية ، أو لأجل الدقة المعنوية. ومن ثم يسوغ عندي تبني استعمال بعض المصطلحات الأجنبية التي لو عربناها ، لوجدنا أنفسنا نتكلف تراكيب عربية ثقيلة تنفر من سياقاتها التركيبية في أي نص ، وهذاكاف للاستعانة ببعض المصطلحات الأجنبية . من ذلك مصطلح ( الميتافيزيقا= ما وراء الطبيعة، والأيديولوجيا=علم الأفكارأو العقائد -ديماغوجية=سياسة تملق عوام الناس) .

والأولى من هذا كله ، العمل على استثمار الرصيد اللغوي، وقواعده ؛ لاستحداث مصطلحات حائزة على الشرعية اللغوية ، والخفة الإيقاعية ، والسلاسة الصوتية ، كل ذلك في آن واحد ، وقد استحدث في عصرنا مصطلحات من هذا النوع ، منها: (التشيّؤ - التموضع - التبئير -العولمة - المخيال-التسلّع -التتنميط ) . إن أمامنا تقنيات لغوية ؛ فلا مسوّغ لاستعمال مصطلحات لا ضرورة لها عند وجود بدائل عربية مناسبة تغني عنها ، إنها تصير حين ذاك رطانة مستقبحة ، من ذلك-مثلاًَ- استعمال الكثيرين لـ (اثني ، بدلا من عرقي ، ودينامي أو ديناميكي بدلًا من حركي- راديكالي بدلًامن جذري- يوتوبيا بدلا من الخيال ) .

إن التقنيات التي أشرت إليها قبل قليل تفسح أمامنا المجال للتخليق المصطلحي المبدع الدقيق الأصيل ، ومنها -أي التقنيات-: ما عرفه علماء الصرف باسم النحت ، وكذا التركيب المزجي ، والإسنادي ، ونحو ذلك مما يتحشّد في لغتنا من وسائل تخليقية تشرع أبواب الاستبداع المصطلحي بمعزل عن الاستعجام ، والرطانة ، والتحريف ، والغموض ، وغير هاته من معايب المصطلح العربي المعاصر .

عند هذه النقطة أود الازورار تجاه النص القرآني الطافح بالإشكالات المصطلحية، حيث سأعرض الآن لمثال يوضح واقع الإشكال المصطلحي الذي يغتني به النص المقدس.فهو أرقى النصوص اللغوية، بإطلاق غير مقيد ، وتعميم غير مخصص.

إن العلم لم يحسم المسألة المعقدة القائمة على إشكالية تحديد مصدر التعقل والتفكير والإدراك الإنساني . فالنصوص الدينية في الإسلام يرشح منها وينبط أن ما يسمى ( القلب) هو مركزكل ذلك ، هذا ما يسنح لنا عند قراءة أمثال قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} سورة محمد24 . {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} غافر35). {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } ق37) {ويشهد الله على على ما في قلبه} (البقرة204) . {وختم على سمعه وقلبه ،وجعل على بصره غشاوة} الجاثية23). {ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه} (التغابن11 {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} (الأعراف101) . {لهم قلوب لا يفقهون بها} (الأعراف179) . {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } (الحج46) . {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج46) . {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} (البقرة225) . {والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليمًا} (الأحزاب51) . {ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات14) . {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ، تشابهت قلوبهم} (البقرة118) {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} (الأنعام25) . {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } (التوبة45) . {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} (التوبة64) . {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} (الصف5) .

إننا بإنعام النظر فيما سلف سنلقى وظائف العقل وإعمال التفكير معزوة ، ومتعلقة بما اصطلحت آيات القرآن على تسميته مرة (القلب) ومرة (الفؤاد) ، وهي تسمية خالفت المصطلح الذي استعمله علماء البيولوجيا ، والأحياء بعامة، في نعت جزء عضوي مادي يقبع في جسم الإنسان ، وتحديدًا وسط صدره، يستقبل الدم ويرسله خلال عملية ضخ للدم عجيبة مبهرة. هذا هوالقلب في المصطلح الطبي ، لا يعدو كونه مضخة دموية ، رتيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت