لمفاهيم المصطلحات العربية العشوائية
بقلم: جلول دكداك - شاعر السلام الإسلامي
(عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية)
نشر هذا المقال على الصفحة 7 من العدد 238 من جريدة"المحجة"المغربية
بتاريخ 23 جمادى الأولى 1426 (01 يوليو ز 2005)
(التنطع) - (التطرف) - (الغلو) - (العنف) - (الإرهاب) ... مصطلحات كثيرا ما تحشر في خانة واحدة. فهل هي كلها تعني فعلا المعنى نفسه، أم كل منها يمثل جزءًا من معنى عام مشترك، أم الأمر غير ذلك تماما؟
إن المتتبع لشأن اللغة العربية بين قومها سرعان ما يكتشف أن الناس - بما فيهم بعض علماء اللغة أنفسهم - لم يعودوا يهتمون كثيرا بما قد يوجد بين مفردات اللغة العربية من تفاوت واختلاف في المعنى؛ وكأن الألفاظ قد أصبحت كلها مترادفة! فهل في اللغة العربية مترادفات حقا؟ لو كان ذلك صحيحا لاختلط الأمر على الناس اختلاطا شديدا، ولالتبس عليهم الفهم التباسا كبيرا قد يفضي في أحيان كثيرة إلى نقيض المقصود منه تماما. ولو كان الأمر كذلك لما اختار الله - سبحانه - هذه اللغة لوحيه المنزل على عباده. فلا بد، إذًا، أن يكون الأمر غير ذلك.
نعم لا مشاحة في المصطلح .. ، ولكن المشاحة .. كل المشاحة في مفهوم المصطلح. ولا معنى للترادف في اللغة إلا بقدر ما يكون بين المفردات من تقارب في الجدع المعنوي المشترك دون أن يصل هذا التقارب إلى تطابق في المعنى. فكل مفردة مستقلة بذاتها تلون جانبا من المعنى بلونها الخاص ولا تعتدي بتاتا على جاراتها. وهذه السمة هي التي ميزت اللغة العربية بدقتها البالغة وتصويرها الوجداني العميق.
فالخوف غير الرهب، والرهب غير الرعب، وأسماء (الأسد) ملك الغابة ليست مترادفة إلى حد التطابق، إذ لا شك في أن كل اسم من هذه الأسماء يتميز فيه المسمى بصفة لا توجد في أسمائه الأخرى: ليث، ضرغام، هزبر، أبو أسامة، سبع ... ومثل ذلك يقال عن مستويات الخوف: فالخوف أنواع منوعة هي- على سبيل المثال لا الحصر: خوف بلا زيادة، وخوف مع رهب، وخوف مع رعب، وخوف مع فزع، وخوف مع هلع، وخوف مع فرَق، وخوف مع جبن، وخوف مع خجل، وخوف مع حياء، وخوف مع خفر، وخوف مع إغضاء، وخوف مع هيبة، وخوف مع رهبة - والرهبة غير الرهب -، وخوف مع ردع، وخوف مع توجس، وخوف مع ترقب، وخوف مع تهرب، وخوف مع خشية ...
أما مستويات التخويف فقد بينتها بتفصيل دقيق في شجرة رسم بياني سميتها: [ميزان تمحيص مفهومالمصطلح العربي القرآني: إرهاب] ، فليرجع إليه من شاء في آخر هذا المقال (ص 32) ، بعد أن يقرأ هذا التعليق:
"لقد كنت من قبل قررت في بحث سابق أنَّ أنسَب مصطلح عربي لترجمة مفهوم التيرورسم terrorisme هو [الحِرابة] ؛ لكن ميزان التمحيص الذي أعددته لقراءة جديدة في المفهوم والظاهرة قد كشف لي أن التيرورسم terrorisme أشد إفسادا من الحِرابة نفسها. وبناء على هذه النتيجة التي أفضت إليها مقدمات البحث الجديد، أستدرك فأقول بأن مفهوم هذا المصطلح الغربي لا يوجد له مقابل دقيق في اللغة العربية، ولا يمكن ترجمته، ولا حل لمعضلته إلا أن نعبر عن مفهومه بلفظه نفسه معرَّبا هكذا: تيرورسم؛ وأن نجعل الصفة منه أيضا بلفظه هكذا: [تيروري .. تيرورية .. تيروريون وتيروريات .. وأعمال تيرورية .. ] على غرار قولنا: تكنولوجي .. وإلكتروني .. وهلم جرا. وهذا ما لجأ إليه الغربيونأيضا عندما استعصى عليهم أن يترجموا مفهوم المصطلح العربي الفلسطيني: انتفاضة، فاستعملوه في لغاتهم كما هو منطوقا بلفظه العربي مكتوبا بحروفهم اللاتينية: Intifada."
ولا شك في أن اللغة كائن حي متطور؛ لكنها جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان، وهي خاضعة في تطورها المستمر للسنن الكونية الربانية التي يخضع لها مخترعها الإنسان. ومن أبسط وأقوى البراهين في آن على صحة هذه القاعدة، أن نمو الإنسان لا بد من أن يتوقف بعد بلوغه عمرا معينا يتحدد فيه نضجه البشري، وإلا صار اطراد نموه من دون توقف وبالا عليه. وهذا هو الرد القاطع على أولئك الذين يدعون أن التطور لا ضابط له، وشأن المفاهيم اللغوية فيه كشأن سائر الكائنات. فلو أن المفاهيم اللغوية لم تكن مستقرة على حال طوال هذه القرون والأجيال لما استطاعت البشرية أن تبني هذه الحضارة بمدنياتها المختلفة المتكاملة. وبناء على ذلك يمكن أن نجزم بأن انقراض اللغة هو إيذان بانقراض الإنسان الذي يتكلمها.