الصفحة 12 من 29

أما القلب في المصطلح الديني فهو شيء آخر أكبر وأشمل وأعمق ، على مستوى الوظائف ، والتأثير بعيد المدى ،فالقلب الديني هو محل ثنائيات متغايرة تناقضية ، تنافرية. فهو موئل الهداية أو الضلال، ومستقر الفقه والتعقل ، أو الجهل والتبلّد، وهو مدفع العمل والإصلاح ، ومحفز التثبيط والإفساد ، فيه تُدبَّر الأوامر ويصطنع القرار، وبه يرتقي المخلوق حتي يصير إنسانا مكرمًا ، وبه ينحضج حتي يستحيل بشرًا محقّرًا.

الواقع أن جدلية العقل والقلب شأنها أوسع من أن يحويه هذا المقام الموجز الضيق . والذي يعنيني هنا هو التوكيد على أن المغايرة بين كلا المصطلحين أمر ثابت لا يسمح بتسلل شبح الترادف ، فالتمايز هنا لا يترك للتمازج موضعًا.

كذلك ليس في الصواب نبذ أو اطّراح أي من الاصطلاحين: الديني ، والطبي ؛ فكل منهما حامل لمفهوم في موقعه صحيح ، دقيق المعالم.

وقد كان بالإمكان فك الجدلية وحل الإشكال عن سبيل القول بأن النصوص الدينية أطلقت مصطلح القلب ، مريدة به العقل نفسه. لكن هذا الرأي أو الافتراض، أو التصور سيلقى صدمة مصدرها تصريح النص الديني بأن القلب المذكور يمكث في الصدور وراء الضلوع، لا في الرأس تحت عظمة الجمجمة . قال تعالى {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} . إن هاته الآية ونحوها تفتح الباب لتحميل القلب الطبي وظائف وصلاحيات وإمكانيات واسعة ، وكثيرة تهدد المخ بالتهميش ، بل قد تحوله إلى عضو عاطل عن العمل ، كما هو حال الزائدة الدودية.

والأمر يزداد تعقيدا حين نتذكر بأن المصطلح الطبي الشائع يسمي المخ باسم العقل ؛ مما يمنحه بشهادة اللغة فضيلة ومهمة سوق وتوجيه الإنسان وسلوكه في إطار وصاية شاملة محكمة.

وليس من مانع يحول دون القول بأن القلب الطبي يحمل ويؤدي وظائف أخرى غير وظائفة البيولوجية المعلنة ، أعني أن يؤدي وظائف إدراكية أو روحية، متعالية ومستعصية عن مجاهر الأطباء ، ومخابرهم .

هذا أمر غير ممتنع في التصور العقلي ، ولا يكفي لرده عدم وجود دليل مادي قاطع- حتى اليوم- على ذلك ؛ لأن عدم الدليل ليس دليلًا على العدم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت