مرت تربية الرعيل الأول بالإيمان في وقت نزول القرآن الكريم بمراحل يمكن استنباطها بمدارسة تدرجات القرآن الكريم في الكثير من الأمور التشريعية في المرحلتين المكية، والمدنية كفرضية الصلاة، والصيام، وتحريم الخمر، والأمر بالحجاب ...
فالتدرج في التشريع أسلوب حكيم أستخدمه القرآن الكريم؛ ليتوافق مع فطرة الإنسان المجبول على التدرج في القبول والاقتناع.
وتربية القرآن للنفوس بالإيمان اندرجت تحت هذا الأسلوب الإلهي المتكامل مع احتياجات الإنسان، فراعت في فرضيتها الفرد والمجتمع، وما كان مقررًا وسائدًا، مع ماهو جديد وواجب.
ويمكن تحديد المراحل التي مرت بها التربية الإيمانية بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى:
التربية الإيمانية وتفكير المؤمن.
باعتبار أن الإسلام دين دعا إلى عقيدة لم تكن معروفة بين العرب في الجزيرة، أو كانت معروفة ولكن متروكة كما كانت عند أهل الكتاب، ركز القرآن الكريم في بداية العلاج على العلاج من الداخل إي علاج القلب من الشرك وذلك بالدعوة إلى وحدانية الله تبارك وتعالى، ومعرفة ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، والعقائد الغيبة من الإيمان بالرسل _عليهم السلام_ والكتب والملائكة واليوم الآخر .. وغيرها من العقائد التي تعيد صياغة القلب من الداخل فيثبت ثبوت الجبال ولا يمكن أن تؤثر فيه المتغيرات من الأحداث.
ودلل القرآن الكريم على أهمية هذه البداية ببيان أنها كانت بوابة لكل دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالي في قصة نوح_عليه السلام_: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} سورة الأعراف، آية 7/ 59
وإبراهيم عليه السلام: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ .. } سورة الشعراء26/ 69:79
وبتكامل القران الكريم ركز على هذا العلاج الداخلي طوال فترة الدعوة في مكة، واستطاع أن يغسل القلوب المؤمنة من كل معتقد فاسد، ويرسخ كليات العقيدة الإسلامية فيها، وهذا العلاج استغرق كل فترة الدعوة في مكة وهي ثلاثة عشر عام بين الجهر، والإسرار"ولم يتجاوز القران المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة إلا بعد أن علم الله أنها استوفت ما استحقتها من بيان وإنها استقرت استقرار مكتوبا وثباتا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان" [1]
(1) محمد أحمد العدوي، دعوة الرسل إلى عبادة الله، (دار المعرفة، بيروت،1414هـ،1993م) ص2