الثاني:- أنه صلى الله عليه وسلم لم يضع هذه الجريدة الرطبة على هذين القبرين ابتداء وإنما وضعهما لعلة وهي أنهما سمعهما يعذبان في قبرهما، ومن المعلوم أن سماع عذاب القبر مما اختص به صلى الله عليه وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام (( ولولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ) )فدل ذلك على أن غيره لا يسمع هذا التعذيب، فوضعه للجريدة على القبر مبني على هذا السماع وقد تقرر في الأصول أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فحيث انتفت العلة في حقنا فإن الحكم لا يشرع
في حقنا، لأن العلة فينا غير متحققة ويوضحه الوجه الثالث.
الثالث:- أن الصحابة صلى الله عليه وسلم أكمل الناس اتباعًا وأشد الأمة حرصًا على فعل المشروع ولا نعرف عن أحدٍ منهم أنه كان يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، إلا ما يروى عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وأرضاه, أنه أوصى أن توضع في قبره جريدتان, وأما عامة الصحابة من الخلفاء الراشدين الأربعة وسائر العشرة المبشرين بالجنة وسائر المهاجرين والأنصار فإنه لم يثبت عنهم شيء من ذلك ولو كان مشروعًا لبادروا إليه, فهذا يفيدك أن ما فعله بريدة صلى الله عليه وسلم إنما هو اجتهاد منه والاجتهاد يخطئ ويصيب قال الألباني رحمه الله (ورأي بريدة لا حجة فيه لأنه رأي والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عامًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع الجريدة في القبر بل عليه كما سبق) ا. هـ. فالحق الحقيق بالقبول هو الترك لا الفعل.
الرابع:- أن التخفيف الحاصل لصاحب القبرين ليس لذات الجريدتين وإنما هو ببركة شفاعته صلى الله عليه وسلم وإنما الجريدة الرطبة علامة لمدة هذه الشفاعة والتخفيف ونهي شفاعة مقيدة بمدة معينة إلى أن تيبس الجريدة وبرهان ذلك ففي حديث جابرٍ الطويل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (( إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين ) )فهذا صريح في أن تخفيف العذاب إنما هو بسبب شفاعته صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بسبب الرطوبة, وهذا واضح في أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم .