سبحانه وفينا رسوله عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء مشركون أعداء الله سبحانه وأعداء رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأنى هذا!؟ وقد وعدنا الله سبحانه وتعالى أن ينصرنا.
فيأتي الجواب: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} أي بسبب عصيانكم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمقصود هم الرماة حين أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يبرحوا مكانهم فعصوا, من بعد ما أراكم ما تحبون، فإذا أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر، وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس، وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخطته للمعركة. فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم , وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم , بانطباق سنة الله - عز وجل - عليكم , حين عرضتم أنفسكم لها. إلى الهزيمة فعودوا على أنفسكم ولا تندهشوا فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية، وما حدث إنما حدث بقدر الله وحكمته: ليعلم المؤمنين أي يعلم حالهم من قوة الإيمان وضعفه والاستفادة من المصائب حتى لا يعودوا إلى أسبابها ..
يقول ابن القيم عليه رحمة الله: وذكر سبحانه هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السورة المكية فقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} . وقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} فالحسنة والسيئة هاهنا النعمة والمصيبة، فالنعمة من الله - عز وجل - منّ بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله، وماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. اهـ قوله رحمه الله
والمسببات مطردة، فكل عسكر يخطئ الرأي ويعصي القائد ويخلي الثغر يصاب بمثل ما أصبتم أو بما هو أشد منه. سنة الله - عز وجل - في خلقه
إن الله على كل شيء قدير يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فإياكم وسوء الظن بالله - عز وجل -، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم.
{ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وليعلم الذين نافقوا} ، أخبر الله - عز وجل - أن ما أصاب الصحابة يوم التقى الجمعان، أي جمع المسلمين وجمع المشركين في"أحد"من القتل والهزيمة، أنه وقع بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. وإذا حل القدر لم يبق إلا التسليم له، وأن الله قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، ليتبين بذلك المؤمن من المنافق .. وليعلم الله المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تميزا ظاهرا، وهذا التميز بدوره خير ينتهي إليه أمر المسلمين ـ من وراء الألم ومن وراء الضر ـ لأن هذا الألم هو وسيلة من وسائل التمحيص والتربية والإعداد ...
المنافقون لما أمروا بالقتال {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه} أي: ذبا عن دين الله - عز وجل -، وحماية له وطلبا لمرضاته سبحانه، أو ادفعوا عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي بن سلول، الذين رجعوا معه في أثناء الطريق بثلث الناس, وأتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة فأبوا ذلك، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أطاعهم فخرج وعصاني, ووالله ما ندري على ما نقتل أنفسنا هاهنا؟ واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم, قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال, فلما استعصوا عليه - رضي الله عنه - وأبوا إلا الانصراف عنهم, قال: أبعدكم الله أعداء