يغل من الغنيمة وفي قراءة أخرى نهى المسلمون أن يغلوا من غنيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تأتي الآية بعد هذا تذكر منة الله ببعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فيقول الله - عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} فالآية استئناف لتذكير رجال يوم أحد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم .. ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
فختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول، والانشغال بهذا الأمر الصغير مقابل الأمر الكبير، الذي هو بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم، الأمر الصغير الذي كان الانشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة، وبدل النصر هزيمة، وفعل بالمسلمين الأفاعيل. فالإشارة في الآية إلى حقيقة الرسالة الكبيرة، والمنة العظيمة المتمثلة فيها، لمسة عميقة تبدو في ظلها غنائم وأسلاب وأعراض الأرض كلها، شيئا تافها وزهيدا ..
وهي تجيء أيضا في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة. . فالإشارة إلى تلك الحقيقة الكبيرة، وما تمثله من منة عظيمة، لمسة أيضا عميقة تصغر في ظلها الآلام و تصغر الخسائر، وتصغر إلى جانبها الجراح والتضحيات.
تشعر الأمة المسلمة بما وراء هذه النقلة من قدر الله الذي يريد بهذه الأمة أمرا ضخما في تاريخ الأرض، وفي حياة البشر، والذي يعدها لهذا الأمر الضخم بإرسال رسول - صلى الله عليه وسلم -، فإذا ما ينبغي لأمة هذا شأنها، أن تشغل بالها بالغنائم التي تبدو تافهة زهيدة في ظل هذا الهدف العظيم، ولا أن تجزع من التضحيات والآلام التي تصيبها، والتي تبدو أيضا هينة يسيرة في ظل الغاية الكبيرة والهدف العظيم الذي ينتظرها في الوجود، والآية تصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأَوْصَافٍ تأَكَّدَ الْمِنَّةَ والنعمة.
فالوصف الأول: أنه من أنفسهم أي من جنسهم، العرب، ووجه هذه المنة التي لا تنافي كونه - صلى الله عليه وسلم - رحمة عامة للناس جميعا هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به.
والوصف الثاني: يتلوا عليهم آياته .. وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن العظيم.
والوصف الثالث والرابع: ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، والمراد بالتزكية تربية النفوس وتهذيبها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مربيا ومعلما .. وتزكية النفس لا تتم إلا بتزكية العقل، وتزكية النفس لا تتم إلا بتزكية العقل، ولا تتم تزكية العقل إلا بالتوحيد الصحيح الخالص.
أما تعليمهم الكتاب، فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية ; لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.
وأما الحكمة المذكورة في الآية، فهي أسرار الأمور وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها والطريق إلى العمل بها، ذلك الفقه الذي يبعث على العمل.
ثم قال الله - عز وجل: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضلال بين واضح. يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرءون ولا يكتبون
والعرب الذين كانوا يخاطبون بهذه الآية كانوا يذكرون ولا شك ماضي حياتهم وأوضاعهم، ويعرفون طبيعة النقلة التي نقلهم إليها الإسلام ببعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كانوا ببالغيها بغير الإسلام; وهي نقلة غير معهودة في تاريخ بني الإنسان.