فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 82

طاعة الذين كفروا، الذين دعا مرضى القلوب إلى الرجوع إليهم، وتوسيط رئيس المنافقين عبد الله بن أبي مع (أبي سفيان) ليطلب منه الأمان كما ذكرنا في حصص سابقة، أو الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بأفواههم كعبد الله بن أبي وأصحابه، الذين خذلوا الإسلام وخذلوا رسول - صلى الله عليه وسلم - قبل الشروع في الحرب، ثم دعوهم بعدها إلى الرجوع إلى الكفر، وقالوا: لو كان محمد نبيا لما أصابه ما أصابه، من أجل أن يردوا المسلمين على أعقابهم إلى ما كانوا عليه من الكفر قبل هذا.

فالذين كفروا لا يريدون لهم إلا الشر، وهذه حقيقة يقررها القرآن الكريم، والله - عز وجل - أعلم بعباده الكافرين، وقصد الكفار هو رد المسلمين إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران.

فمعنى الآية: إن طلبتم الأمان منهم وكانت حالكم معهم حال المغلوب مع الغالب، يتولوا عليكم وتكونوا معهم أذلاء مقهورين حتى يردوكم عن دينكم، فتنقلبوا خاسرين للدنيا، وخاسرين للآخرة، أما الأول فيخضعوكم لسلطانهم ويمتهنوكم ويحرموكم مما وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الاستخلاف في الأرض بالسيادة والملك، ومن تمكين للدين وتبديل الخوف بالأمن، أما الآخر فيما يمسكم في الآخرة من عذاب المرتدين مع الحرمان مما وعد الله به المتقين من جنات ونهر.

فالمؤمن أمام خيارات صعبة إما أن يستمسك بدينه ويمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار .. وإما أن يخذل الإسلام والمسلمين ـ والعياذ بالله ـ ويرضى بمسالمة الباطل على حساب العقيدة .. ومحال أن يقف المسلم سلبيا بين بين، يزعم أو يبدو له أنه يحافظ على موقفه، ومحتفظا بدينه، قد يخيل إليه هذا في أعقاب الهزيمة وتحت ضغط الجرح والقرح, أنه يستطيع أن ينسحب من المعركة وأن يسالم الكفار ويطيعهم, وهو مع ذلك محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه! وهذا وهم كبير ..

لأن الصراع بين الحق والباطل حقيقة وليس وهما، فالذي لا يتحرك إلى الإمام في مجال جهاد الباطل والكفر لا بد أن يرجع إلى الوراء، والذي لا يجاهد الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان، لا بد أن يتخاذل ويتقهقر وينقلب على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان!

والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين والاستماع إليهم والثقة بهم، يتنازل ـ في الحقيقة ـ عن عقيدته وإيمانه منذ اللحظة الأولى التي يقتنع فيها بسماع قول الكافرين، ولو لم يحس في خطواته الأولى أنه في طريقه إلى هذا المصير الخطير والمصير البائس ..

إن المؤمن .. يجد في عقيدته وفي قيادته غناء عن مشورة أعداء الله - عز وجل -، أعداء الدين وأعداء قيادة المسلمين. فإذا استمع إلى هؤلاء الكفار والمنافقين والمشركين مرة، فقد سار في طريق الارتداد على الأعقاب .. حقيقة فطرية وحقيقة واقعية ينبه الله - عز وجل - المؤمنين لها، ويحذرهم إياها وهو يناديهم باسم الإيمان الذي يعصمهم من التراجع.

وإذا كان مبعث الميل إلى طاعة الذين كفروا هو رجاء الحماية والنصرة عندهم، فهذا وهم تزيّنه الهزيمة النفسية، فإن القرآن الكريم يذكر المسلمين بحقيقة النصرة والحماية، فقال - عز وجل: {بل الله مولاكم} والكفار ليسوا بمولى للمؤمنين، والله هو الناصر وليس هم الكفار {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} فهو مولاكم وناصركم، وفي هذا بشارة للمسلمين بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، رغم ما هم فيه من الجراح ويعصمهم من أنواع الشرور، وإن خذلهم الخاذلون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت