فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 82

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده-؟ إن كنتم تريدون ثواب الدنيا، فالله لا يمنعكم ذلك، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! وإنما يدعوكم رسول الله إلى خيرٍ ترون حظًا منه في الدنيا، والمعوّل على ما في الآخرة.

فالمسألة إذن بين أمرين: إرادة الدنيا وإرادة الآخرة، كلٌ يريد أمرًا ولكل أمرٍ سنن تُتَّبع، ولكل دارٍ طريق تُسلك، وأعمال الناس متشابهة، ومشقتهم فيما يريدون متقاربة، وإنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد، أهل الدنيا يتعبون وأهل الآخرة يتعبون، ويوم يلقى العبد ربه يوم إذْ يفرح بأجله.

ثم قال - عز وجل - {وسنجزي الشاكرين} الذين يعرفون نعمة الله - عز وجل - عليهم بقوة الإرادة ويستعملونها فيما يوصلهم إلى درجات الكمال ..

ولم يذكر الله - عز وجل - جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليُعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة وحسنا.

بهذا الخطاب وهذه الحقائق التي يجليها القرآن الكريم، تستقر حقيقة الأجل في النفس, فتترك الاشتغال به وهي تفكر في الأداء وتفكر في الوفاء بالالتزامات وتكاليف الإيمان .. فلينظر الإنسان ما قدم لغد، ولتنظر نفس ماذا تريد .. وشتان بين حياة وحياة ..

يقول ابن القيم رحمه الله:"أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصًا بين يديْ موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قُتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يُقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حيٌ لا يموت، فلو مات محمد أو قُتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بُعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ليُخلَّد، لا هو ولا هم! بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد فإن الموت لا بد منه، سواء مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بقي؛ ولهذا وبّخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لمَّا صرخ الشيطان: إن محمدًا قد قُتل! فقال - عز وجل - {وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ} "

والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قُتلوا، فظهر أثر هذا العتاب وحُكْم هذا الخطاب يوم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدّ من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزّهم وظفّرهم بأعدائهم وجعل العاقبة لهم"."

فإذا هي حقيقة ينبغي أن تكون ماثلة وواضحة في نفوس كل من سار في طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

نعم .. ينبغي الاعتناء بالرجال ومعرفة قدر الرجال، واحترامهم وإعدادهم لساعة البدل والعطاء، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي التعلق بهم، والنكوص على الأعقاب إذا قتلوا أو ماتوا أو تخاذلوا، فالله سبحانه وتعالى حي لا يموت قوي عزيز لا يقهر وإنما يستمسك العبد بربه ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

فاللهم نسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء

أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه آمين

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت