والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير
الوارثين » [24] .
وقد بين ابن الجوزي - رحمه الله - أن « الباب الأعظم الذي يدخل منه
إبليس على الناس هو الجهل ، فهو يدخل منه على الجهال بأمان ، وأما العالم فلا
يدخل إلا مسارقة » [25] . وقال القرافي المالكي « .. أصل كل فساد في الدنيا
والآخرة إنما هو الجهل ؛ فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت ، كما أن أصل كل
خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم ؛ فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله - تعالى -
هو المعين على الخير كله » [26] .
وهذا الجهل الذي وقعت به الأمة ناتج والله أعلم عن أمرين:
الأول: الإعراض عن الكتاب ، والسنة تعلمًا وتعليمًا ، وتدبرًا وتفهمًا لما
فيهما:
فمن أعرض عن السنة اشتغل بالبدعة ، « وأما من أصغى إلى كلام الله بقلبه ،
وتدبره وتفهمه ، أغناه عن السماع الشيطاني الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ،
وينبت النفاق في القلب ، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله
عليه وسلم بكليته ، وحدّث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن
البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس النفوس
وتخيلاتها ، ومن بَعُدَ عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه ، كما أن من
غمر قلبه بمحبة الله - تعالى - وذكره ، وخشيته ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه ،
أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه ، وأغناه أيضًا عن عشق الصور ،
وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه ، أي شيء استحسنه ملكه واستعبده .
فالْمُعْرِض عن التوحيد مشرك ، شاء أم أبى ، والمعرض عن السنة مبتدع
ضال ، شاء أم أبى .. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم » [27] .
الثاني: أنهم حملوا نصوص الكتاب والسنة على أناس قد مضوا ، وأما هم
فغير مخاطبين بهما ؛ وهذا ما يتصوره « أكثر الناس ، [حيث] لا يشعرون بدخول