يكفي ذلك الخطاب الأول الذي وجد حال عدمه؟ أي هل لا بد من تجديد خطاب لكل معدوم إذا وُجِدَ، أم يكفي الخطاب الأول ويدخل فيه المعدوم فإذا وجد وتحققت فيه شروط التكليف لزمه حكم ذلك الخطاب تبعًا للأوائل من غير خطاب جديد؟ فهذه الجزئية حصل فيها خلاف، ولكن الحق الذي لا مرية فيه وهو قول أهل السنة والجماعة ولا ينبغي القول بغيره هو أن المعدوم مكلف إذا وجد بالخطاب الأول ولا نحتاج في تكليفه لخطاب جديد، ولا نفتقر إلى إدخاله مع الأوائل بالقياس عليهم لأنه كان داخلًا معهم بالأصالة، فقوله تعالى ?وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ? خطاب عام للموجودين في زمن الخطاب ولسائر من يأتي بعدهم إلى أن تقوم الساعة، وقوله تعالى ?وَآتُوا الزَّكَاةَ? خطاب عام للموجودين في زمن الخطاب ولسائر من يأتي بعدهم، فمن وجد منهم وتحققت فيه شروط التكليف طولب بامتثال حكم هذا الخطاب الذي نزل في الأزمنة الماضية، ولا أقول: إن هذا قول جمهور الأصوليين فقط. وإنما هو قول أهل السنة والجماعة ولا عبرة بمن تأثر بالآراء الكلامية من أهل الأصول من الذي يقررون في كتبهم مذهبًا مخالفًا لما ذهب إليه السلف الصالح، وأما المعتزلة الأوباش فإنهم ذهبوا إلى أن المعدوم لا يدخل في خطاب التكليف العام، بل لا بد إذا وجد من خطاب خاص به، أو لا بد من دليل القياس حتى نلحقه بهم، أما أنه يدخل في الخطاب الأول فلا، فإذا كلف بعد وجوده لم يعمه الخطاب الموجه إلى الموجودين وهذا مذهب باطل وقول عاطل ليس عليه أثارة من علم، والحق هو الأول، والأدلة عليه كثيرة جدًا ونذكر لك طرفًا منها فأقول:-