فهؤلاء إذا تناولوا السيرة بالبحث والدراسة تعاملوا معها كما يتعاملون مع سيرة أي زعيم أو بطل، أو قائد، أو فاتح؛ فيتحدثون عن النبي"كما يتحدثون عن هؤلاء، ويصفونه بالبطل، أو العبقري، أو الزعيم أو نحو ذلك من الألقاب التي لا تغني عن مقام النبوة."
وتراهم يتحدثون عن سيرته _عليه الصلاة والسلام_ حديثًا ماديًا بحتًا مجردًا دون ربط لها بالوحي والغيب، والتأييد الإلهي، وكأنهم يتحدثون عن سيرة نابليون، أو هتلر، أو موسوليني.
ولا ريب أنهم قد يثنون على النبي"ويصفونه بأوصاف كبيرة، ويفضلونه على غيره."
ولكن الخطورة تكتنف هذا المنهج من جهة قطعه عن الصلة بالله، وعن الإيمان بالغيب؛ فتراهم ينكرون عددًا من المعجزات الثابتة بصريح القرآن، ومتواتر السنة، كنزول الملائكة في بدر، وطير الأبابيل، وشق صدر النبي"والإسراء."
وترى بعضهم يرى أن (اقرأ) كانت منامًا، وأن الإسراء سياحة الروح في عالم الرؤى، ويَصِفُ الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين في غزوة بدر بالدعم المعنوي، ويصف الطير الأبابيل بداء الجدري، وأن شق الصدر كان شيئًا معنويًا، وأن لقاء جبريل بالنبي"في غار حراء كان منامًا، إلى غير ذلك مما جاء في ذلك السياق."
وهكذا تُفَّرغ سيرة النبي"من الحقائق الغيبية، والمعجزات والخوارق التي لا يمكن أن تتنافى في جوهرها مع حقائق العلم وموازينه التي يدَّعون أنهم يسيرون على وفْقها؛ لأن الله هو خالق النواميس، وهو القادر على خرقها متى شاء."
وربما استروح بعض أصحاب هذا المنهج إلى إحياء الأساطير في سيرة النبي" [1] ."
(1) _ انظر البحث القيم الذي قدمه الأستاذ أنور الجندي لمؤتمر السيرة النبوية _ في مقدمة تحقيق كتاب (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق وتعليق الشيخين: عادل عبدالموجود، وعلي محمد معوض 1/17_35.