وإذا قرأتَ سيرته في تلك السنين المعدودة التي قضاها _عليه السلام_ في المدينة_ نظرت ماذا كان يقوم به من جلائل الأعمال, ويدعو إليه من وجوه الإصلاح, ويُبَيِّنه من حلال وحرام, ويؤم الناس في الصلوات, ويقود الجيوش في الغزوات, ويفتي السائلين في العبادات والمعاملات والجنايات, ويجلس إلى الأفراد والجماعات: يذكر الغافلين, ويرشد الضالين, ويجادل المعاندين, ويبشر المتقين, ويفصل بين المتخاصمين, وينظر في شؤون منزله, ويسوس آل بيته وخَدَمَه في رفق وعدل.
ولا شك أن هذه الأعمال المختلفة النواحي _كما ترى_ لا يكفي في تدبيرها وإقامتها عقل من هذه العقول التي يحدثنا عنها التاريخ, ولو صدقت مبالغاته في إطرائها، وإعلاء شأنها.
قال القاضي عياض في كتاب (الشفا) : =وأما وفور عقله، وذكاء لُبِّه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، فلا مرية أنه"كان أعقل الناس، وأذكاهم."
ومن تأمل تدبيره أمرَ بواطنِ الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة مع عجيب شمائله، وبديع سيره, فضلًا عما أفاضه من العلم, وقرره من الشرع, دون تعلم سبق, ولا ممارسة تقدمت ولا مطالعة لكتب منه _ لم يَمْتَرِ في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهته.
وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحقيقه.
وقد قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا فوجدت في جميعها أن النبي"أرجح الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا+. [1] "
وقال الماوردي×متحدثًا معددًا بعض صفات النبي":"
=إحداهن: رجاحة عقله، وصحة وهمه، وصدق فراسته.
وقد دل على وُفور ذلك فيه صحة رأيه، وصواب تدبيره، وحسن تألُّفِه، وأنه ما استفعل [2] في مكيدة، ولا استعجز في شديدة، بل كان يلحظ المباديَ فيكشف عيوبَها، ويحل خطوبها.
وهذا لا ينتظم إلا بأصدق وهم، وأوضح جزم+. [3]
(1) _ الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض 1/91_92.
(2) _ هكذا في الأصل، ولعل الصواب ما اسَتُغْفِل.
(3) _ أعلام النبوة للماوردي ص256.