الصفحة 66 من 149

فظهور هذا العقل الكبير في أمي لا يقرأ ولا يكتب من أظهر الدلائل على أن هذا الأمي صادق في دعوى أنه رسول رب العالمين؛ فإذا تكلم أحد في كمال عقل المصطفى"فإنما يصف آيةً تبعث في قلب الجاحد إيمانًا, وتزيد قلب المؤمن اطمئنانًا."

ولعلك تذكر قوله _تعالى_: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران:159) فيختلج في صدرك أن أمره باستشارة أصحابه يقتضي أن آراءهم قد تكون أصوب من رأيه.

والجواب أنه كان"يستشير أصحابه في أمر الحروب ونحوها؛ ليقيم قاعدة الشورى بين الناس, وبالشورى تسعد الأمة، ويرتفع شأن الدولة."

قال الحسن×: =قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنَّ به من بعده+.

وفي استشارته"لأصحابه تَطْيِيبٌ لنفوسهم، وزيادةُ تأليفٍ لقلوبهم؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهة للاستبداد, ونفورًا من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيبًا من الرأي."

وفي استشارته"أصحابَه إشعارٌ لهم بعلو مكانتهم عنده؛ إذ يدلّهم على أنه يراهم مَطْلع الآراء السديدة، ومواطن الإخلاصِ, والإخلاصُ رأس كل فضيلة, وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يعرض عليهم"الأمر يستطلع آراءهم فيه, وهو الغني عنهم بما يأتيه من وحي السماء, وبما رزقه الله _تعالى_ من سمو الفكر، وصفاء البصيرة.

ولعلك تذكر أن طائفة من المشركين بلغت بهم الرَّقاعة أنْ وصفوا صاحب هذا العقل العظيم بالجنون, كما حكى الله عنهم ذلك في قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ] (الحجر:6) .

ويقدح في خاطرك أن عقلًا تهبط منه الحكم البالغة, وتسطع منه الحجج الدامغة لا يَصِفُ صاحبَه بالمجنون إلا مَنْ فقد عقله, وصار يرمي بالألفاظ في غير معنى, فتقول: كيف يحكي القرآن كلام من فقدوا عقولهم, وأطلقوا في الهذيان ألسنتهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت