الصفحة 64 من 149

ولقد جمعت هذه الخصال للنبي"بحذافيرها، فقد كان راجح العقل، غزير العلم، عظيم الخُلُق، شديد الإخلاص، جليل العمل، صادق العزم، راجح البيان."

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

أولًا: في رجاحة عقل النبي":"

لا يمتري عاقل منصف أن النبي"أرجح البشرية عقلًا، وأذكاهم جنانًا، وأنفذهم بصيرة، وأوسعهم حلمًا."

ويتجلى رجحانُ عقلِه في مظاهر كثيرة، منها أنه نشأ بين قوم يعبدون الأصنام، ويتنافسون في مظاهر الأبهة والخيلاء، وينحطون في شهواتهم إلى المنزلة السفلى، فلم يكن لهذه البيئة المظلمة من أثر في نفس محمد"قليل أو كثير؛ فقد انتبذ من بين هذه الظلمات المتراكمة مكانًا يخلو فيه بنفسه، ويقدح فيه زناد فكره، ويناجي فيه ربه؛ فإذا نورُ النبوة يتلألأ بين جنبيه، وحكمة الله تتدفق بين شفتيه. [1] "

ويتجلى رجحان عقله في كونه أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وكان مع هذه الأمية، والنشأة البعيدة من مواطن العلوم، ومجالس العلماء ينظر إلى الحقائق الغامضة؛ فيصيب كبدها, وينطق فإذا الحكمة كاشفة النقاب، والبلاغة آخذة بالألباب.

فكمال عقل المصطفى"من النوع الذي يخص الله _تعالى_ به بعض المصطفين من عباده؛ ليُعِدَّهم بذلك إلى أشرف مقام, هو مقام النبوة والرسالة."

وإذا كان ما ألقي على عاتق هذا الرسول العظيم هي الرسالة العامة الخالدة _ فمن المعقول أن يهب الله _تعالى_ له من فضل العقل، وسمو الحكمة ما يناسب عمومَ رسالته، وبقاءَها إلى قيام الساعة.

وإذا تحدث متحدث عن كمال عقل محمد"فلا يتحدث عن عقل يرجع سبب عظمته إلى بيئة أو دراسة, إنما يتحدث عن عقل أودعه _تعالى_ في أكمل خلقه؛ ليفهم به مقاصد الوحي؛ فيقوم ببيانها, ويدرك أمراض النفوس؛ فيصف أدواءها, ويتدبر أمور الجماعات؛ فيحسن سياستها."

(1) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص204_205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت