ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان تهييج بعض الحيوان على بعض، كما يُفْعَل بين الكباش والديوك وغيرها، وهو اللهو الذي حرمته الشريعة؛ لما فيه من إيلام الحيوان وإتعابه في غير فائدة، وفي سنن أبي داود عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: =نهى رسول الله"عن التحريش بين البهائم+ [1] والتحريش بينها إغراء بعضها على بعض."
وإن شئت أن تزيد يقينًا بما جاء به الإسلام من الرأفة بالحيوان فانظر إلى ما رواه أبو داود عن ابن مسعود قال: =كنا مع النبي"في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَةً [2] معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَعْرِشُ [3] فلما جاء رسول الله"قال: =من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها+.
ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: =إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار+ [4] .
هذه شذرات مما أوصى به الإسلام من الرفق بالحيوان، وإن شئت أن تعلم كيف كان أثرها في نفوس من يقتدون بآدابه في كل حال _ فإليك مثلًا من آداب عدي بن حاتم أحد أفاضل الصحابة _رضي الله عنهم_ هو أنه كان يفت الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات، ولهن حق.
ومن أدب الشيخ أبي إسحاقَ الشيرازي×: أنه كان يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب، فزجره رفيق الشيخ، فنهاه الشيخ، وقال له: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك؟!
فقد رأيت كيف حاربت الشريعة السمحة طبيعة القسوة على الحيوان، وقررت للتصرف فيه أحكامًا مبينة على قاعدة الرفق بكل ذي كبد رطبة.
(1) _ أبو داود (2562) .
(2) _ الحمرة: ضرب من الطير، وقيل: القُبُّرة.
(3) _ تعرش: أي ترتفع، وتظلل بجناحيها على من تحتها.
(4) _ أبو داود (2675) .