ومن هذا الباب شقهم لآذان الأنعام كما مر في عادتهم في البحيرة، وهو ما أشار القرآن إلى قبحه، إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال _تعالى_: [وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ] (النساء) .
5_ أن الحيوان كان كسائر الأمتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء، وإذا ناله رفق فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك؛ لتطول مدة انتفاعه به.
ولكن النبي"أرشد إلى أن الحيوان في نفسه حقيقٌ بالعطف، فغرس له في القلوب عطفًا عامًا، واستدعى له الرحمة حتى مِنْ قوم لا ينتفعون أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال، وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات، وتنال بها المثوبة عند الله _كما سيأتي بيانه بعد قليل_."
فقد أذن النبي"في قتل الحيوان المؤذي كالكلب العقور، والفأرة، وأمر بالإحسان في القتل، فقال": =إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة+ [1] .
وأذن في ذبح الحيوان للاستمتاع بالطيب من لحومه، فقال": =وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته+ [2] ."
وقد يخطر في البال أنه متى أُذن في قتل الحيوان، أو ذبحه فللإنسان أن يتخذ لإزهاق روحه ما شاء من الطرق أو الوسائل؛ فَقَصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر، وإرشاد الناس إلى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح؛ فلا يجوز إحراق ما أُذِن في قتله أو التمثيل به، ويجب إرهاف آلة الذبح؛ حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلامًا.
قال ابن رجب×في شرح الحديث الماضي: =والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب _ إزهاقُ نفسِه في أسرع الوجوه وأسهلها من غير زيادة في التعذيب؛ فإنه إيلام لا حاجة إليه.
(1) _ أخرجه مسلم (1955) .
(2) _ مسلم (1955) .