وفي هذا ما يرشد إلى أن يكون الاستمتاع بها في رفق ورعاية؛ فإن إرهاقها، أو قلة القيام على ما تستمد منه حياتها _ يجعل نفعها ضئيلًا، ويذهب بما فيها من جمال وزينة.
3_ أنه كان للعرب قبل الإسلام عادات تحرمهم من الانتفاع ببعض أفراد الحيوان، وفيها قوة على أن ينتفعوا بها: ومن هذا القبيل الناقة المسماة بالسائبة، وهي الناقة التي يقول فيها الرجل: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي فهي سائبة، ويحرم ركوبَها ودَرَّها.
والوصيلة: وهي أن تلد الشاة ذكرًا وأنثى، فيقولون: وصلت أخاها، فلا يُذبح من أجلها الذكر.
والجمل المسمى بالحامي: وهو الفحل الذي ينتج مِنْ صُلبه عشرة أبطن، فكانوا يقولون: قد حمى ظهره، ويمتنعون من ركوبه والحمل عليه.
والبحيرة: وهي الناقة التي تنتج خمسة أبطنٍ آخرُها ذكر؛ فإنهم كانوا يبحرون أذنها _أي يشقونها_ ثم يحرمون ركوبها ودرها. [1]
ثم جاء الإسلام فلم ير من الحكمة تعطيل الحيوان وهو صالح لأن ينتفع منه، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي، فقال _تعالى_: [مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) ] (المائدة) .
4_ أنه كان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب: ومن هذه العادات ما يفعلونه لموت كريم القوم؛ إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر، ويتركونها في حفرة لا تطعم، ولا تسقى حتى تموت.
(1) _ انظر التحرير والتنوير 7/72.