الصفحة 52 من 149

4_ ويشهد الإنسان طابع الصدق في علاقاته"بأزواجه، فهو الرسول البشر، ليس فيه تعاظم الأقوياء بجاههم أو غناهم، بل فيه سماحة الأنبياء، وندى العظماء، وسيرة الأتقياء، تجده يحنو على أزواجه ويعينهن، فيقمّ بيته بيده، ويحلب الشاة، ويخرز النعل، ويتلطف إليهن، ويداري غضبهن، ويعدل بينهن، ويراعي ما جُبِلْنَ عليه من الغَيرة، ويحتمل هفواتهن، ويرفق بصغيرتهن؛ حيث تعيش أمهات المؤمنين في غرفهن الصغيرة بجوار المسجد النبوي، تمتزج حياتهن بأصوات الأذان للصلوات، ويشهدن جموع الناس مقبلين مدبرين يصلون، ويستمعون لأحاديث الرسول"، ويشتركن في بيان تعاليم الإسلام، وخاصة في شؤون المرأة، حين يتعذر على النبي"_لحيائه_ البيان."

ثم لهن حياة خاصة مع الرسول"حافلة بالعبادة وبالعلم، مليئة بالعبر، دافقة بالخير، ولا تخلو من الجدل والخصومة حينًا، والغَيرة حينًا آخر، قالت عائشة _رضي الله عنها_: =ما علمتُ حتى دخلت عليَّ زينبُ بغير إذن وهي غَضبى، ثم قالت: يا رسول الله أَحَسْبُكَ إذا قلبت لك بُنَيّةُ أبي بكر ذُرَيعَتَيها _أي ساعِدَيْها_؟"

ثم أقبلت عليَّ، فأعرضتُ عنها، حتى قال النبي": =دونك فانتصري+ فأقبلتُ عليها حتى رأيتُها، وقد يبس ريقها في فيها ما تردُّ عليَّ شيئًا، فرأيت النبي"يتهلّلُ وجهُه+ [1] .

وهنا نلمس تقدير النبي"لغيرة الضرائر من بعضهن، ومراعاته للفطرة، فقد ترك زينب تفرغ غضبها، وأذن لعائشة أن ترد عليها، وعدل بين زينب _وهي بنت عمه وزوجه_ وعائشة _وهي بنت صاحبه وزوجه_ ولم يغضب من هذه الملاحاة، فهي أمر طبيعي في حياة الضرائر."

بل لم تتغير ملامح وجهه إلى العبوس لتكدير صفوه، بل عَلَتْه ابتسامة رقيقة وهو يشهد انتصاف عائشة من زينب.

وفي هذا _أيضًا_ دلالة على أن سيرة النبي"وحياته كتاب مفتوح، لا يخفى منه شيء."

(1) _ انظر البخاري: الأدب المفرد (558) والنسائي _الكبرى_ (8914 و 8915) وابن ماجه (1981) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت