وهكذا يتبين لنا شيء من عظم شأن المرأة، ومنزلتها عند رسول الله" [1] ."
(1) _ قارن بين هذا وبين صنيع أهل الجاهلية الذين يعاملون المرأة بكل قسوة، ولا يرونها إلا هملًا مُضاعًا، ولقىً مزدرىً، وحمىً مستباحًا.
ويكفي شاهدًا على ذلك تسخطهم بالأنثى، ووأدهم للبنات.
قال الله _تعالى_ ناعيًا عليهم هذا الصنيع: [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] (التكوير) .
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور × في تفسير هذه الآية: =والوأد: دفن الطفلة وهي حية: قيل: هو مقلوب آداه، إذا أثقله؛ لأنه إثقال الدفينة بالتراب.
قال في الكشاف: =كان الرجل إذا وُلِدتْ له بنتٌ؛ فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية يقول لأمها: طيبيها وزينيها؛ حتى أذهب بها إلى أحمائها, وقد حفر لها بئرًا في الصحراء؛ فيبلغ بها البئر, فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض.
وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة, فتمخضت على رأس الحفرة, فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته+ا هـ.
=وكانوا يفعلون ذلك؛ خشية من إغارة العدو عليهم, فيسبي نساءهم, ولخشية الإملاق في سني الجدب؛ لأن الذكر يحتال للكسب بالغارةِ وغيرِها, والأنثى عالةٌ على أهلها، قال _تعالى_: [وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ] وقال: [وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] .
وإذ قد فشى فيهم كراهية ولادة الأنثى فقد نما في نفوسهم بغضها, فتحركت فيها الخواطر الإجرامية؛ فالرجل يكره أن تولد له أنثى لذلك، وامرأته تكره أن تولد لها أنثى؛ خشيةً من فراق زوجها إياها, وقد يهجر الرجل امرأته إذا ولدت أنثى.
وقد توارثت هذا الجهل أكثرُ الأمم على تفاوت بينهم فيه، ومن كلام بعضهم وقد ماتت ابنته: =نعم الصهر القبر+.
ومن آثار هذا الشعور حرمانُ البنات من أموال آباءهن بأنواع من الحيل مثل وقف أموالهم على الذكور دون الإناث, وقد قال مالك: إن ذلك من سنة الجاهلية، ورأى ذلك الحُبس باطلًا، وكان كثير من أقرباء الميت يلجئون بناته إلى إسقاط حقهن في ميراث أبيهن لأخوتهن في فور الأسف على موت أبيهن؛ فلا يمتنعن من ذلك، ويرين الامتناع من ذلك عارًا عليهن؛ فإن لم يفعلن قطعهن أقرباؤهن.
وتعرف هذه المسألة في الفقه بهبة بنات القبائل, وبعضهم يعدها من الإكراه+. تفسير التحرير والتنوير 30/145_146.
هذه منزلة المرأة في الجاهلية ولا يبعد عنها ما تعانيه المرأة في النُظُم الأرضية التي لا ترعى للمرأة كرامتها، حيث يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة أو أقل؛ لتخرج هائمة على وجهها تبحث عن مأوى يسترها، ولقمة تسد جوعتها، وربما كان ذلك على حساب الشرف، ونبيل الأخلاق.
فأين رحمة الإسلام بالمرأة، وجعلها إنسانًا مكرمًا من الأنظمة التي تعدها مصدر الخطيئة، وتسلبها حقها في الملكية والمسؤولية، وتجعلها تعيش في إذلال واحتقار، وتعدها مخلوقًا نجسًا؟.
وأين رحمة الإسلام بالمرأة ممن يجعلون المرأة سلعة يتاجرون بجسدها في الدعايات والإعلانات.
وأين رحمة الإسلام بها من الأنظمة التي تعد الزواج صفقة مبايعة تنتقل فيه الزوجة؛ لتكون إحدى ممتلكات الزوج؟ حتى إن بعض مجامعهم انعقدت؛ لتنظر في حقيقة المرأة وروحها هل هي من البشر أو لا؟!
= فالحضارة المعاصرة لا تكاد تعرف شيئًا من معاني التذمم والرحمة، وإنما تنظر للمرأة نظرة مادية بحتة، فترى أن حجابها وعفتها تخلف ورجعية، وأنها لابد أن تكون دمية يعبث بها كل ساقط؛ فذلك سر السعادة عندهم.
وما علموا أن تبرج المرأة وتهتكها هو سبب شقائها وعذابها.
وإلا فما علاقة التطور والتعليم بالتبرج وإظهار المفاتن، وإبداء الزينة، وكشف الصدور، والأفخاذ، وما هو أشد؟ !
وهل من وسائل التعليم والثقافة ارتداء الملابس الضيقة والشفافة والقصيرة؟!
ثم أي كرامة حين توضع صور الحسناوات في الإعلانات والدعايات؟ !
ولماذا لا تروج عندهم إلا الحسناء الجميلة، فإذا استنفدت السنوات جمالها وزينتها أهملت ورميت كأي آلة انتهت مدة صلاحيتها؟ !
وما نصيب قليلة الجمال من هذه الحضارة؟ وما نصيب الأم المسنة، والجدة، والعجوز؟
إن نصيبها في أحسن الأحوال يكون في الملاجئ، ودور العجزة والمسنين؛ حيث لا تُزار ولا يُسأل عنها.
وقد يكون لها نصيب من راتب تقاعد، أو نحوه، فتأكل منه حتى تموت؛ فلا رحم هناك، ولا صلة، ولا ولي حميم.
أما المرأة في الإسلام فكلما تقدم السن بها زاد احترامها، وعظم حقها، وتنافس أولادها وأقاربها على برها _ كما سبق _ لأنها أدَّت ما عليها، وبقي الذي لها عند أبنائها، وأحفادها، وأهلها، ومجتمعها.