ومن أدب الحرب في الإسلام الوفاءُ بتأمين المحارب؛ فإذا أعطى أحدُ الجند الأمان لأحد المحاربين _ وجب احترام هذا التأمين، ولا يجوز لأحد أن يتعرض لذلك المحارب بأذى.
وإلى هذا يشير قوله _صلوات الله عليه_: =ويسعى بذمتهم أدناهم+. [1]
وقد أمضى النبي"تأمين أم هانئ بنت أبي طالب لرجل من المشركين، وقال لها: =قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ+. [2] "
وحدث في عهد عمر بن الخطاب أن عبدًا أَمَّن أهل بلد بالعراق، فكتب قائد الجيش وهو أبو عبيدة إلى عمر يأخذ رأيه في هذا التأمين، فكتب إليه عمر: =إن الله عظّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا؛ فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم+. [3]
ومن آداب الحرب في الإسلام، ومما يُجَلِّي معنى الرفق والرحمة مجاملةُ رسل العدو، وترك التعرض لهم بأذى؛ فقد يأتي رسول العدو في شأن الصلح أو غيره مما فيه تخفيف شر الحرب؛ فمن حسن الرأي أن لا يُتَعَرَّض للرسل بأذى، وأن يكونوا في أمن حتى يعودوا إلى قومهم؛ فإن التعرض لهم بأذى يقطع صلة الرسالة بين الفريقين، ويسد طريق المفاوضات التي يُتَوسَّل بها إلى عدم الدخول في الحرب، أو إنهائها إذا كانت ناشبة.
ومكارم الأخلاق تأبى أن يُتَعَرَّض لرسول بأذىً ولو أرسله قومه لإبلاغ ما عزموا عليه من محاربتنا، أو صدر منه كلام في تعظيم أمر قومه بقصد الفخر أو الإرهاب.
وقد جرى نظام الإسلام في الحرب على هذا الأدب المقبول. [4]
(1) _ أخرجه الحاكم في مستدركه (2623) وأخرجه أبو داود في سننه (4530) .
(2) _ أخرجه البخاري (350 و 3000 و 5806) ومسلم (336) .
(3) _ تاريخ الطبري 3/188.
(4) _ انظر رسائل الإصلاح 1/117_118، وآداب الحرب في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين ص45.