الصفحة 38 من 149

قدم أبو رافع بكتاب من قريش إلى رسول الله"فلما رأى رسول الله ألقِيَ في قلبه الإسلام، فقال: يا رسول الله: إني _والله_ لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله": =أما أني لا أخيس بالعهد، ولا أحبسُ البُرُدَ، ولكن ارجع فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن، فارجع+.

قال: فرجعت، ثم أقبلت إلى رسول الله"، وأسلمت. [1] "

هذه نبذة من خلق الرحمة التي كانت تصاحب النبي"في حروبه، تلك الرحمة التي غَيَّرت نظرةَ الناس من بعده للحرب؛ إذ نظرتهم تعني أن مبدأ الشفقة مناقض للحرب التي تعني الكُلوحَ، والعبوس، والقسوة بكل حال."

وبخاصة ما نراه اليوم من حروب هذا العصر التي تأكل الأخضر واليابس، وتتسم بالوحشية، ولا تعرف الرحمة لا في أثنائها ولا بعد نهايتها.

غير أن الناظر في تاريخنا المجيد، وسيرة نبينا الأعظم يجد هذا المعنى لائحًا واضحًا _كما مر_ ويراه _كذلك_ بعد نصره"، وتمكنه من الأعداء الذين ناصبوه العداوة، ولم يَدَعوا طريقًا في سبيل إيذائه إلا وسلكوه."

وإذا أردت مثالًا يثبت فؤادك فانظر إلى ما كان منه _عليه الصلاة والسلام_ يوم فتح مكة الذي حصل بعد صراع مرير، وبعد أن فعلت قريشٌ بالنبي"وأصحابه ما فعلوا."

فعندما انتصر عليهم، وأحاط بهم إحاطة السِّوار بالمِعْصم، وظنت قريش الظنون؛ لعلمهم بسوء صنيعهم السابق، وحسبوا أنه سيدخل مكة دخول الجبابرة والطغاة مزهوًا منتقمًا _ فاجأهم بأن جاء متواضعًا متخشعًا لربه، غير مَزْهوٍّ بنصره، ولا شامت بأعدائه.

وعندما رأى قريشًا وهم يتوقعون الإجهاز عليهم، ورأى جموع الصحابة وعيونهم تَتَلَمَّظُ تَلَمُّظَ الحيَّات وهم ينتظرون أدنى إشارة منه أشار النبي"حتى يبيدوا خضراء قريش _ قال النبي _عليه الصلاة والسلام_ مخاطبًا قريشًا: =ما تظنون أني فاعل بكم+؟"

قالوا: أخ كريم وابن أخٍ كريم.

(1) _ أخرجه الحاكم في مستدركه (6538) أبو داود في سننه (2758) وأحمد في مسنده (23908) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت