الصفحة 35 من 149

إنْ لقيه الناس بالإحسان فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وإن كانت الأخرى فَدِيْنُ محمدٍ فيه ترياقُ السموم، وقرعُ الحديد بالفولاذ.

ومن عَجَبٍ أن ما اتخذه محمد _صلوات الله عليه_ سلوكًا لنفسه، وطريقًا لحماية دعوته منذ القرون الطوال هو نفسه الطريق الذي آثرته البشرية دون غيره لضمان البقاء.

ولو خضع الناس، وأداروا خدودهم اليسرى لمن يصفعهم على اليمنى لما قام على وجه الدنيا أحدٌ في وجه ظالم, ولعاش الطغاة أعمارهم محفوفين بالإجلال والإعظام.

ولو قال أصحاب محمد"مقالة أصحاب موسى: [اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة: 24) لما قُدِّرَ للحياة أن تفيد من أسرار هذا الدين العظيم الذي لا يوجد لمشكلات عالم اليوم من حلول أفضل مما فرضها لها دين محمد"! [1]

وإذا جنح _عليه الصلاة والسلام_ إلى خيار الحرب؛ فهل يعني ذلك أن يتجرد من الرحمة، ويكون هدفُه الأولُ والأخير سفكَ الدماءِ دون مراعاة لعهد أو حرمة؟

لا، إن الحرب في شرعة رسول الله"لها آداب، وأحكام محفوفة بالرفق، والرحمة."

فمن الرفق الذي أقام عليه الإسلام سياسته الحربية أنه منع من التعرض بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال كالرهبان، والفلاحين، والنساء، والأطفال، والشيخ الهرم، والأجير، والمعتوه، والأعمى، والزَّمِن.

ومن الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى، والزَّمِن ولو كانا ذوي رأي في الحرب وتدبير.

ولا يجوز قتلُ النساءِ وإن استعملن لحراسة الحصون أو رمين بنحو الحجارة، ودليل هذا قوله _تعالى_: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا] (البقرة:190) فجعل القتال في مقابلة القتال.

(1) _انظر مقال نبي الملحمة للأستاذ عبدالصبور مرزوق في كتاب محمد رسول الله لأحمد تيمور باشا ص181_185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت