فمحمد _عليه الصلاة والسلام_ لم يقاتل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون حرصًا على حياته، وإنما كان يقاتلهم حرصًا على حياة الفضيلة، وظهور الحق، وبسط أنوار التوحيد، وإقامة نظم المدنية المهذبة، ولكن الناشئين على اللهو واتباع الشهوات لا يفقهون. [1]
فما الذي كان يريده المفترون على محمد"أن يفعل بعد ما ألح عليه العدوان هكذا, حتى كاد يأتي عليه."
إن الدنيا لَتَعرف كيف تَكتَّلَ الكفار ضده في شعب أبي طالب ذلك الحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المشهور الذي أنزل بمحمد وصحبه وبعض قرابته من الضُّر ما آذاهم حتى أكل بعضهم يومًا من الجوع أوراق الشجر.
ولولا أن الله عَطَّف عليه قلوبَ بعض الكرام لبلغ الكفار مرادهم، مما أكره الرسول"على الإذن لصحبه بالهجرة الكبرى إلى المدينة."
ثم أدركهم بعدها صبيحة الليلة التي جمع الكفارُ فيها من كل قبيلة فتىً، وقرروا أن ينُهْوا حياته بالسيف؛ حتى يضيع في القبائل دمه، وما تقوى على حربهم قريش.
فأي صبر كانوا ينتظرون من الرسول"فوق هذا الصبر؟ وكيف تكون الموادعةُ بعد هذا سبيلَ التفاهمِ من أناس رفعوا عليه السيف, ولم يَحْمِهِ منه أحدٌ غيرُ رعايةِ الله له؟!"
إن صبر محمد"على قومه حتى هذا المدى لهو آية الآيات على عظمة التسامح والمسالمة عند محمد، وإرخائه العِنان لقوم لم يكونوا يستحقون سوى الكبريت والحطب."
لقد سَالَمَ محمدٌ المشركين , وجاوز حدود الصبر, فما أجدت المسالمة, ولا أفاد الصَّبرُ, وأصبح الاستمرار عليهما مما لا يتفق ومنطقَ الحياة, ومما لا يتفق _كذلك_ ومنطقَ النبي الذي جاء قويًا كفرسان العرب, عظيمًا في حسبه ونسبه وفضائله, والذي جاء قبل هذا ليكون رسولَ حياةٍ يخاطب أهلها بما يفهمون.
(1) _ انظر حدائق الأنوار 1/44 و 2/509، ومحمد رسول الله وخاتم النبيين ص104، ومحمد رسول الله لمحمد رضا ص230.