وكذلك حكى ابن حزم × في مراتب الإجماع: أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه _ وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك؛ صونًا لمن هو في ذمة الله _تعالى_ وذمة رسوله"فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة+. [1] "
4_ طائفة المخالفين المحاربين: فهؤلاء يخرج لهم _عليه الصلاة والسلام_ في مظهر الحزم والاحتراس، ويدفعهم بالتي هي أحكم وأعدل؛ فيرفق بهم إن كان هناك موضع للرفق، ويأخذ فيهم بسنة الحزم إن طغى بهم الشر؛ فلم يكن الرفق ليزيدهم إلا تمردًا. [2]
فإذا أذن _صلوات الله عليه_ بقتل كعب بن الأشرف فلأن كعبًا هذا كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله، ويحرض عليه كفار قريش، ويفعل بعد هذا شيئًا وهو أشد على قلوب العرب من وقع السهام النافذة، وهو أنه كان يشبب بنساء المسلمين.
وقد احتمل منه النبي _عليه الصلاة والسلام_ هذا الأذى حينًا، ولما أبى كعب أن ينزع عن إثارة هذه الفتن أذن لأحد الأنصار في قتله؛ ليميط عن سبيل الدعوة إلى الله حية تسعى، ويدفع عن أعراض المسلمين شعرًا مقذعًا.
ومن ذا يجهل أن محمدًا"قد أفاض على العالم حكمة وهداية وإصلاحًا، وما الحسام الذي يأمر بانتضائه إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد حرصًا على صحته وسلامته."
ومن تقصى السيرة النبوية وجد فيها ما يصدق قول عائشة _رضي الله عنها_: =ما انتقم رسول الله"لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله+. [3] "
(1) _ الفروق للقرافي 3/14، وانظر أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي، لنمر محمد الخليل نمر ص127_161، وأهل الذمة في الحضارة الإسلامية، لحسن المِمّي ص101_105، وحقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية د.علي بن عبدالرحمن الطيار.
(2) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص103.
(3) _ أخرجه الحاكم في مستدركه (4223) وأحمد في مسنده (25029) .