3_ طائفة المخالفين المسالمين: فهؤلاء يحرص على هدايتهم، ويلقاهم بالأدب الجميل، ويقسط إليهم، ولا يهضم لأحد منهم حقًا، ويأخذ فيهم بأدب قوله _تعالى_: [لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] (الممتحنة:8) .
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، ومنها ما جاء في صحيح البخاري عن أنس÷قال: =كان غلام يهودي يخدم النبي"فمرض، فأتاه النبي"يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: =أسلم+.
فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأَسْلَمَ، فخرج النبي"وهو يقول: =الحمد لله الذي أنقذه من النار+ [1] ."
ثم إن حسن معاملته _عليه الصلاة والسلام_ للمخالفين الذين دخلوا معه في عهده، أو رضوا بأن يعيشوا تحت راية الإسلام _ من أوضح الشواهد على سماحة الدين الحنيف وبنائه على رعاية قاعدتي الحرية وتوطيد السلام؛ فراية الإسلام صالحة لأن تخفق على رؤوس أمم مختلفة في عقائدها، متفاوتة على مرافق حياتها.
وقد جرى أمراء الإسلام العادلون على هذه السيرة في معاملة أهل الذمة؛ فكانوا ينصحون لنوابهم بالعدل، ويخصون أهل الذمة في نصيحتهم بالذكر.
وأحسن مثل على هذا كتاب عمر بن الخطاب÷إلى عمرو بن العاص÷ وهو يومئذ الوالي على مصر.
ومما جاء في هذا الكتاب: =وإن معك أهلَ ذمةٍ وعهد، وقد وصى رسول الله"بهم+. [2] "
ومنه =وقد قال": =من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة+ [3] ."
احذر يا عمرو أن يكون رسول الله"لك خصمًا؛ فإنه من خاصمه خصمه+ [4] ."
(1) _ البخاري (1356) .
(2) _ كنز العمال، للهندي (14304) .
(3) _ أخرجه أبو داود في سننه (3052) بلفظ: =ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ _ فأنا حجيجه يوم القيامة+.
(4) _ انظر كنز العمال (14304) وسنن أبي داود (3052) .