وهو الذي رجع بمن تبعه من الطريق يوم أحد، فخذل النبي"في أحرج أوقاته، وهو الذي قال _كما أخبر الله عز وجل عنه_: [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] (المنافقون:8) ."
وهو صاحب المواقف المشهورة بالخزي والشنار.
هذا الرجل الذي كان من شأنه ما كان لما مات طلب ابنُه من النبي قميصه؛ ليكفنه فيه؛ تطهيرًا له؛ فأعطاه قميصه كفنًا لزعيم المنافقين !
أرأيت أكرم من هذا الصنيع؟ وهل وقف الأمر عند هذا الحد؟
لا، بل مشى _عليه الصلاة والسلام_ إلى قبره، فوقف يريد الصلاة عليه، فوثب إليه عمر بن الخطاب ÷ وقال: أتصلي على ابنِ أُبَيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ يعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله"وقال: =أخِّر عني يا عمرُ+."
فلما أكثر عليه قال: =إني خيِّرت فاخترت؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها+.
وذلك إشارة إلى قوله _تعالى_ في المنافقين: [اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (التوبة:80) .
ففي الخيار بين أن يستغفر أو لا يستغفر نزعت به طبيعته الرحيمة إلى الاستغفار لأعدائه.
قال عمر بن الخطاب في نهاية الحديث: =فصلى عليه رسول الله"ثم انصرف؛ فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: [وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) ] (التوبة) ."
قال: فعجبت بَعْدُ من جرأتي على رسول الله"يومئذٍ، والله ورسوله أعلم+. [1] "
فهذه مواقفه مع زعيم المنافقين؛ فما ظنك بمن دونه؟
(1) _ انظر صحيح البخاري (1366) .