فالذين يلقون ذوي النفوس الطاهرة في كُلُوحٍ وانقباض بعلة المحافظة على الوقار _ لم يهتدوا إلى السيرة الحميدة سبيلًا.
وأما التواضع فقد قال أنس بن مالك ÷: كان رسول الله"أحسن الناس خُلُقًا وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير يقال له: أبو عمير: =يا أبا عمير ما فعل النغير [1] +. [2] "
فالذين يخرجون للناس في وجوه عليها غبرة الكبرياء إنما يلقون قلوبًا نافرةً، وألسنةً ساخرةً، ولقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة لو شاؤوا أن يكونوا أجلاء محترمين. [3]
وأما الرحمة فقد قال _تعالى_ في كتابه الكريم: [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] (التوبة:128) .
وحدثنا عن هذه الرحمة مالك بن الحويرث إذ قال: أتينا رسول الله"ونحن شَبَبَة [4] متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا وراءنا من أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقًا رحيمًا، فقال: =ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومُرُوهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي+. [5] "
2_ طائفة المنافقين: وهؤلاء كان _عليه الصلاة والسلام_ يعاملهم بما يشبه معاملة المهتدين من الرحمة، والرفق، والإحسان، ومقابلة الإساءة بالعفو أو الإحسان؛ فكان يعاملهم على ظواهرهم دونما بحث عما تُكِنُّه سرائرهم، وتنطوي عليه دخائل نفوسهم.
ويشهد لذلك حوادثُ كثيرةٌ، ومن أجلاها مواقفه العظيمة مع رأس المنافقين عبدالله بن أُبَيِّ بنِ سلول الذي آذى النبي"أيما أذية؛ حيث آذاه في بيته كما في قصة الإفك _ فهو الذي تولى كبره، وأشاع قالة السوء عن عائشة _رضي الله عنها_."
(1) _ النغير: طائر كان يلعب به.
(2) _ أخرجه البخاري (6129 و 6203) ومسلم (2150) .
(3) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص102.
(4) _ جمع شاب.
(5) _ أخرجه البخاري (605 و 5662 و 6819) ومسلم (674) .