الصفحة 19 من 149

بَلَغَ النبي"أشُدَّه، وقَرُب من الأربعين، واكتملت قواه العقلية والبدنية، وكان أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مِثْلَ فَلَق الصبح واضحة كما رآها في منامه."

اختلاؤه بغار حراء، ونزول الوحي عليه: ثم بعد ذلك حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه في غار حراء في مكة، فيتعبد الله الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بالطعام والشراب، حتى جاءه الحق، وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان، وذلك بأن تَمَثَّل له المَلَكُ جبريل، ولقَّنَه عن ربِّه أول ما نزل من القرآن، فقال: [اقْرَأْ] فقال: =ما أنا بقارىء+ فقال له: [اقْرَأْ] فقال: =ما أنا بقارىء+ فقال: [اقْرَأْ] فقال: =ما أنا بقارىء+ وكان جبريل بعد كل جواب من الأجوبة الثلاثة يضمه على صدره، ويعصره حتى يبلغ منه الجهد.

ولما تركه جبريل في المرة الثالثة ألقى عليه أول آيات أُنزلت من القرآن، وهي [اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّك الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] (العلق 1_5) .

بهذه الآيات العظيمة التي تأمر بالعلم، وتبيِّن بداية خلق الإنسان _ بدأ نزول الوحي على النبي"فرجع النبي إلى زوجته خديجة يرجف فؤاده، ولكنه حفظ رشاده، فقال: =زملوني زملوني+ يعني: لففوني بالثياب، ففعلوا، حتى إذا ذهب عنه الروع، أخبر خديجة الخبر، وقال: =لقد خشيت على نفسي+."

فقالت خديجة _رضي الله عنها_: =كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتُقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق+.

وهكذا استدلت هذه المرأة العاقلة على أن من كان هذا شأنه في محبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنَّة الله تقتضي بأن الجزاء من جنس العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت