ثم انطلقت بعد ذلك خديجة بالنبي"حتى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، ويكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: اسمع من محمد ما يقول، فقال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره"خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس [1] الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا _أي شابًا_ ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.
فقال له الرسول": =أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟+ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومُك أَنْصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم توفي ورقة، وفتر الوحي [2] ."
واستمرت فترة الوحي ثلاث سنين، قوي فيها استعداد النبي، واشتدَّ شوقه وحنينه.
قال": =بينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض؛ فجئثت [3] منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني+ [4] ."
وذكر أنه رعب منه، ولكن ذلك دون الرَّعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزَمَّلَ، وتَدَثَّرَ _أي: تغطى بالثياب_.
ثم أنزل الله عليه قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ] (المدثر) .
أي: يا أيها الذي تدثر بثيابه قم فأنذر الناس بالقرآن، وبلغهم دعوة الله، وطهر ثيابك وأعمالك من أدران الشرك، واهجر الأصنام، وتبرأ من أهلها.
(1) _ الناموس: صاحب سر المَلِك، قال بعضهم: هو صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر. انظر الروض الأنف 1/408.
(2) _ انظر صحيح البخاري (4953) ومسلم (161) والروض الأنف 1/396، وخلاصة السيرة ص19_20.
(3) _ جئثت منه: أي ذُعِرْت وخِفْت. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/228.
(4) _ البخاري (3238) وانظر الروض الأنف 1/420_422.