الصفحة 17 من 149

وقد تُوفي والده وهو حَمْلٌ في بطن أمه، فكفله جده عبدالمطلب، وأرضعته أمه ثلاثة أيام ثم عهد جده بإرضاعه إلى امرأة يقال لها حليمة السعدية.

رضاعته في بني سعد: وكان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي؛ حيث تتوافر أسباب النشأة البدنية السليمة [1] .

ولقد رأت حليمة السعدية من أمر هذا الرضيع عجبًا، ومن ذلك: أنها أتت مع زوجها إلى مكة على أتان هزيلة بطيئة السير، وفي طريق العودة من مكة، وهي تضع الرضيع في حجرها كانت الأتان تعدو عَدْوًا سريعًا، وتُخَلِّف وراءها كل الدواب، مما جعل رفاق الطريق كلهم يتعجبون.

وتُحدِّث حليمة بأن ثديها لم يكن يُدِرُّ شيئًا من الحليب، وأن طفلها الرضيع كان دائم البكاء من شدة الجوع، فلما ألقمت الثدي رسول الله"دَرَّ غزيرًا، فأصبحت ترضعه وترضع طفلها حتى يشبعا."

وتُحدِّث حليمة عن جدب أرض قومها ديار بني سعد، فلما حظيت بشرف رضاعة هذا الطفل أنتجت أرضها، وماشيتها، وتَبَدَّلت حالها من بؤس وفقر إلى هناء ويسر.

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه وجده في مكة، لكن حليمة ألَحَّتْ على أمه أن توافق على بقائه عندها مرة ثانية؛ لِمَا رأت من بركته عليها، فوافقت أُمُّه آمنة، فعادت حليمة بالطفل مرة أخرى إلى ديارها والفرحة تملأ قلبها.

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه، وعمره آنذاك أربع سنوات، فحضنته أمه إلى أن توفيت، وكان له من العمر ست سنين، فكفله جده عبدالمطلب سنتين ثم توفي، وقبل وفاته أوصى به ابنه أبا طالب عمَّ النبي"فحاطه بعنايته كما يحوط أهله وولده [2] ."

إلا أنه كان لفقره يعيش عيش الشظف؛ فلم يتعود"نعيم الترف، ولعلَّ ذلك من عناية الله بهذا النبي الكريم."

(1) _ انظر جوامع السيرة النبوية لابن حزم الأندلسي ص6_7، والروض الأنف 1/278_286 و297.

(2) _ انظر الروض الأنف 1/300_301، وأعلام النبوة للماوردي ص248_249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت