فهرس الكتاب

الصفحة 6573 من 6606

قوله تعالى فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا فيه مسائل

المسألة الأولى أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار ولهذا الترتيب فوائد

الفائدة الأولى اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمدًا كان على الحق مما يثقل على القلب ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا تنصرني ولم سلطت هؤلاء الكفرة علي فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح أما على قولنا فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئًا بل كل ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئًا وأما على قول المعتزلة ما فائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق ثم إذا فرغ العبد عن تنزيه الله عما لا ينبغي فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان والبر ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه الوجه الثاني أن للسائرين طريقين فمنهم من قال ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله بعده ومنهم من قال ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله ولا شك أن هذا الطريق أكمل أما بحسب المعالم الحكمية فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من الأثر إلى المؤثر وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو واجب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود فالاستغراق في الأول يكون أشرف لا محالة ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل وإذا ثبت هذا فنقول الآية دالة على هذه الطريقة التي هي أشرف الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولًا من الخالق أمرين أحدهما التسبيح والثاني التحميد ثم ذكروا في المرتبة الثالثة الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق

واعلم أن صفات الحق محصورة في السلب والإيجاب والنفي والإثبات والسلوب مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التي لواجب الوجود وهي صفات الجلال والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له وهي صفات الإكرام ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام ولما أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس وفيه رؤية جود الحق وفيه طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد بمطالعة غير الله يبقى محرومًا عن مطالعة حضرة جلال الله فلهذه الدقيقة أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد الوجه الثالث أنه إرشاد للبشر إلى التشبه بالملكية وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل متصل بأسفل النوع الأعلى ولهذا قيل آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا في أنفسهم وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت