اعلم أنه تعالى لما رد على عبده الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولدًا وَقَالَتِ الْيَهُودُ عَزِيزٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ( التوبة 30 ) وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ومنهم من خصها بالعرب الذي أثبتوا أن الملائكة بنات الله قالوا لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة أما الآن فإنه لما رد على العرب الذين قالوا بعبادة الأوثان تكلم في إفساد قول الذين قالوا بعبادة الملائكة لكونهم بنات الله أما قوله لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا فقرىء إدًا بالكسر والفتح قال ابن خالويه الإد والأد العجب وقيل المنكر العظيم والأدة الشدة وأدنى الأمر وآدنى أثقلي قرىء يتفطرن بالتاء بعد الياء أعني المعجمة من تحتها واختلفوا في يكاد فقرأ بعضهم بالياء المعجمة من تحتها وبعضهم بالتاء من فوق والانفطار من فطرة إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه وقرأ ابن مسعود يتصدعن وقوله وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أي تهد هدًا أو مهدودة أو مفعول له أي لأنها تهد والمعنى أنها تتساقط أشد ما يكون تساقط البعض على البعض فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال قلنا فيه وجوه أحدها أن الله سبحانه وتعالى يقول أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبًا مني على من تفوه بها لولا حلمي وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ( فاطر 41 ) وثانيها أن يكون استعظامًا للكلمة وتهويلًا من فظاعتها وتصويرًا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده وثالثها أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم ورابعها أن السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها أما قوله أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا ففيه مسائل
المسألة الأولى في إعرابه ثلاثة أوجه أحدها أن يكون مجرورًا بدلًا من الهاء في منه أو منصوبًا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا أو مرفوعًا بأنه فاعل هَدًّا أي هدها دعاء الولد للرحمن والحاصل أنه تعالى بين أن سبب تلك الأمور العظيمة هذا القول
المسألة الثانية إنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيهًا على أنه سبحانه وتعالى هو الرحمن وحده من قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه
المسألة الثالثة قوله دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلبًا للعموم والإحاطة بكل من ادعى له ولدًا أو من دعا بمعنى نسب الذي هو مطاوعة ما في قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( من ادعى إلى غير مواليه ) قال الشاعر
إنا بني نهشل لا ندعى لأب
أي لا ننتسب إليه ثم قال تعالى وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا أي هو محال أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها وأما التبني فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيهًا بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل وكل ذلك لا يليق به ثم قال إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ إِلاَّ اتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات