فهرس الكتاب

الصفحة 4077 من 6606

وثانيها أن قوله إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَة َ يدل على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة لأن قوله وَإِمَّا السَّاعَة َ المراد منه يوم القيامة ثم العذاب الذي يحصل قبل يوم القيامة يمكن أن يكون هو عذاب القبر ويمكن أن يكون هو العذاب الذي سيكون عند المعاينة لأنهم عند ذلك يعلمون ما يستحقون ويمكن أيضًا أن يكون المراد تغير أحوالهم في الدنيا من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر ومن الصحة إلى المرض ومن الأمن إلى الخوف ويمكن أن يكون المراد تسليط المؤمنين عليهم ويمكن أيضًا أن يكون المراد ما نالهم يوم بدر وكل هذه الوجوه مذكورة واعلم أنه تعالى بين بعد ذلك أنه كما يعامل الكفار بما ذكره فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى واعلم أنا نبين إمكان ذلك بحسب العقل فنقول إنه لا يبعد أن يكون بعض أنواع الاهتداء مشروطًا بالبعض فإن حاصل الاهتداء يرجع إلى العلم ولا امتناع في كون بعض العلم مشروطًا بالبعض فمن اهتدى بالهداية التي هي الشرط صار بحيث لا يمتنع أن يعطي الهداية التي هي المشروط فصح قوله وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى مثاله الإيمان هدى والإخلاص في الإيمان زيادة هدى ولا يمكن تحصيل الإخلاص إلا بعد تحصيل الإيمان فمن اهتدى بالإيمان زاده الله الهداية بالإخلاص هذا إذا أجرينا لفظ الهداية على ظاهره ومن الناس من حمل الزيادة في الهدى على الثواب أي ويزيد الله الذين اهتدوا ثوابًا على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر هذه الزيادة بالعبادات المترتبة على الإيمان قال صاحب ( الكشاف ) يزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر وتقديره من كان في الضلالة يمد له الرحمن مدًا ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال بخذلانه بذلك المد ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه ثم إنه تعالى بين أن ما عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل متناه يعقبه نفع عظيم غير متناه والذي عليه الضالون نفع قليل متناه يعقبه ضرر عظيم غير متناه وكل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى وبهذا الطريق تسقط الشبهة التي عولوا عليها واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات فقال المحققون إنها الإيمان والأعمال الصالحة سماها باقية لأن نفعها يدوم ولا يبطل ومنهم من قال المراد بها بعض العبادات ولعلهم ذكروا ما هو أعظم ثوابًا فبعضهم ذكر الصلوات وبعضهم ذكر التسبيح وروي عن أبي الدرداء قال ( جلس رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم وأخذ عودًا يابسًا فأزال الورق عنه ثم قال إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله يحط الخطايا حطًا كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة وكان أبو الدرداء يقول لأعلمن ذلك ولأكثرن منه حتى إذا رآني جاهل حسب أني مجنون ) والقول الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ولا ينقطع فبعض العبادات وإن كان أنقص ثوابًا من البعض فهي مشتركة في الدوام فهي بأسرها باقية صالحة نظرًا إلى آثارها التي هي الثواب ثم إنه تعالى أخبر أنها خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ولا يجوز أن يقال هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره فالمراد إذن أنها خير مما ظنه الكفار بقولهم خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( مريم 73 )

أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِأايَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت