فهرس الكتاب

الصفحة 4058 من 6606

دعاه إلى الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله فَاتَّبِعْنِى ليس أمر إيجاب بل أمر إرشاد والنوع الثالث قوله سَوِيًّا ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا أي لا تطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول منه لأنه أعظم الخصال المنفرة واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه عاصيًا لله ولم يذكر معاداته لآدم عليه السلام كأن النظر في عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان غمى فكره وأطبق على ذهنه وأيضًا فإن معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأي ومن كان كذلك كان حقيقًا أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فإن قيل إن هذا القول يتوقف على إثبات أمور أحدها إثبات الصانع وثانيها إثبات الشيطان وثالثها إثبات أن الشيطان عاص لله ورابعها أنه لما كان عاصيًا لم تجز طاعته في شيء من الأشياء وخامسها أن الاعتقاد الذي كان عليه ذلك الإنسان كان مستفادًا من طاعة الشيطان ومن شأن الدلالة التي تورد على الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومات مسلمة ولعل أبا إبراهيم كان منازعًا في كل هذه المقدمات وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلهًا سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الإله الرحمن وإذا لم يسلم وجوده فكيف يمكنه تسليم أن الشيطان كان عاصيًا للرحمن ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان بل لعله يقلب ذلك على خصمه قلنا الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو الذي ذكره أولًا من قوله لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا فأما هذا الكلام فيجري مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة وعلى هذا التقدير يسقط السؤال النوع الرابع قوله عَصِيًّا ياأَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قال الفراء معنى أخاف أعلم والأكثرون على أنه محمول على ظاهره والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه السلام عالمًا بأن أباه سيموت على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه على ظاهره فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب ويجوز أن يصر فيموت على الكفر فيكون من أهل العقاب ومن كان كذلك كان خائفًا لا قاطعًا واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فإنه لا يسمى خائفًا إلا إذا كان بحيث يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدي أما قوله فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا فذكروا في الولي وجوهًا أحدها أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله الى الولاية الحقيقية لقوله تعالى الاْخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ( الزخرف 67 ) وقال ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ( العنكبوت 25 ) وحكى عن الشيطان أنه يقول لهم إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ( إبراهيم 22 ) واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة أما إذا كان المراد منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط وثانيها أن يحمل العذاب على الخذلان أي إني أخاف أن يمسك خذلان الله فتصير مواليًا للشيطان ويبرأ الله منك على ما قال تعالى وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ( النساء 119 ) وثالثها وليًا أي تاليًا للشيطان تليه كما يسمى المطر الذي يأتي تاليًا وليًا فإن قيل قوله أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا يقتضي أن تكون ولاية الشيطان أسوأ حالًا من العذاب نفسه وأعظم فما السبب لذلك ( والجواب ) أن رضوان الله تعالى أعظم من الثواب على ما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت